فهرس الكتاب

الصفحة 4990 من 8321

أحدها: قال أبو مسلم: المعنى أنه تعالى إنما يريد منه ومنهم العبادة ولا يريد منه أن يرزقه كما تريد السادة من العبيد الخراج ، وهو كقوله تعالى: { وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مّن رّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ } [ الذاريات: 56 ، 57 ] . وثانيها: { لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا } لنفسك ولا لأهلك بل نحن نرزقك ونرزق أهلك ، ففرغ بالك لأمر الآخرة ، وفي معناه قول الناس: من كان في عمل الله كان الله في عمله . وثالثها: المعنى أنا لما أمرناك بالصلاة فليس ذلك لأنا ننتفع بصلاتك . فعبر عن هذا المعنى بقوله: { لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا } بل نحن نرزقك في الدنيا بوجوه النعم وفي الآخرة بالثواب ، قال عبد الله بن سلام: «كان النبي A إذا نزل بأهله ضيق أو شدة أمرهم بالصلاة وتلا هذه الآية» واعلم أنه ليس في الآية رخصة في ترك التكسب لأنه تعالى قال في وصف المتقين: { رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تجارة وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله } [ النور: 37 ] ، أما قوله: والعاقبة للتقوى فالمراد والعاقبة الجميلة لأهل التقوى يعني تقوى الله تعالى ، ثم إنه سبحانه بعد هذه الوصية حكى عنهم شبهتهم ، فكأنه من تمام قوله: { فاصبر على مَا يَقُولُونَ } [ طه: 130 ] وهي قولهم: { لَوْلاَ يَأْتِينَا بِئَايَةٍ مّن رَّبّهِ } أوهموا بهذا الكلام أنه يكلفهم الإيمان من غير آية ، وقالوا في موضع آخر: { فليأتنا بآية كما أرسل الأولونِ } [ الأنبياء: 5 ] وأجاب الله تعالى عنه بقوله: { أَوَ لَمْ تَأْتِهِمْ بَيّنَةُ مَا فِى الصحف الأولى } وفيه وجوه: أحدها: أن ما في القرآن إذ وافق ما في كتبهم مع أن الرسول A لم يشتغل بالدراسة والتعلم وما رأى أستاذًا ألبتة كان ذلك إخبارًا عن الغيب فيكون معجزًا . وثانيها: أن بينة ما في الصحف الأولى ما فيها من البشارة بمحمد A وبنبوته وبعثته . وثالثها: ذكر ابن جرير والقفال [ أن ] المعنى: { أَوَ لَمْ تَأْتِهِمْ بَيّنَةُ مَا فِى الصحف الأولى } من أنباء الأمم التي أهلكناهم لما سألوا الآيات وكفروا بها كيف عاجلناهم بالعقوبة فماذا يؤمنهم أن يكون حالهم في سؤال الآيات كحال أولئك ، وإنما أتاهم هذا البيان في القرآن ، فلهذا وصف القرآن بكونه: { بَيّنَةُ مَا فِى الصحف الأولى } واعلم أنه إنما ذكر الضمير الراجع إلى البينة لأنها في معنى البرهان والدليل ، ثم بين أنه تعالى أزاح لهم كل عذر وعلة في التكليف ، فقال: { وَلَوْ أَنَّا أهلكناهم بِعَذَابٍ مّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا } والمراد كان لهم أن يقولوا ذلك فيكون عذرًا لهم ، فأما الآن وقد أرسلناك وبينا على لسانك لهم ما عليهم وما لهم فلا حجة لهم ألبتة بل الحجة عليهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت