فهرس الكتاب

الصفحة 501 من 8321

والتحقيق فيه ما بينا أن كثرة الثواب إنما تحصل لأمر يرجع إلى الدواعي والقصود فيجوز أن تكون الطاعة القليلة تقع من الإِنسان على وجه يستحق بها ثوابًا كثيرًا والطاعات الكثيرة تقع على وجه لا يستحق بها إلا ثوابًا قليلًا . ورابعها: أنهم أسبق السابقين في كل العبادات ، لا خصلة من خصال الدين إلا وهم أئمة مقدمون فيها بل هم المنشئون العامرون لطرق الدين والسبق في العبادة جهة تفضيل وتعظيم . أما أولًا فبالإِجماع . وأما ثانيًا فلقوله تعالى: { والسابقون السابقون أولئك المقربون } [ الواقعة: 10 ، 11 ] وأما ثالثًا فلقوله عليه السلام: « من سن سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة » فهذا يقتضي أن يكون قد حصل الملائكة من الثواب كل ما حصل للأنبياء مع زيادة الثواب التي استحقوها بأفعالهم التي أتوا بها قبل خلق البشر . ولقائل أن يقول؛ فهذا يقتضي أن يكون آدم عليه السلام أفضل من محمد A لأنه أول من سن عبادة الله تعالى من البشر وأول من سن دعوة الكفار إلى الله تعالى ولما كان ذلك باطلًا بالإِجماع بطل ما ذكروه والتحقيق فيه ما قدمناه أن كثرة الثواب تكون بأمر يرجع إلى النية فيجوز أن تكون نية المتأخرة أصفى فيستحق من الثواب أكثر ما يستحقه المتقدم ، وخامسها: أن الملائكة رسل الأنبياء والرسول أفضل من الأمة فالملائكة أفضل من الأنبياء . أما أن الملائكة رسل إلى الأنبياء فلقوله تعالى: { علمه شديد القوى } [ النجم: 5 ] وقوله: { نزل به الروح الأمين على قلبك } [ الشعراء: 193 ، 194 ] وأما أن الرسول أفضل من الأمة فبالقياس على أن الأنبياء من البشر أفضل من أممهم فكذا ههنا . فإن قيل: العرف أن السلطان إذا أرسل واحدًا إلى جمع عظيم ليكون حاكمًا فيهم ومتوليًا لأمورهم فذلك الرسول يكون أشرف من ذلك الجمع ، أما إذا أرسل واحدًا إلى واحد فقد لا يكون الرسول أشرف من المرسل إليه كما إذا أرسل واحدًا من عبيده إلى وزيره في مهم فإنه لا يلزم أن يكون ذلك العبد أشرف من الوزير . قلنا ، لكن جبريل عليه السلام مبعوث إلى كافة الأنبياء والرسل من البشر فلزم على هذا القانون الذي ذكره السائل أن يكون جبريل عليه السلام أفضل منهم . واعلم أن هذه الحجة يمكن تقريرها على وجه آخر وهو أن الملائكة رسل لقوله تعالى: { جاعل الملائكة رسلًا } [ فاطر: 1 ] ثم لا يخلو الحال من أحد أمرين إما أن يكون الملك رسولًا إلى ملك آخر أو إلى واحد من الأنبياء الذين هم من البشر وعلى التقديرين فالملك رسول وأمته رسل وأما الرسول البشري فهو رسول لكن أمته ليسوا برسل والرسول الذي كل أمته رسل أفضل من الرسول الذي لا يكون كذلك فثبت فضل الملك على البشر من هذه الجهة ولأن إبراهيم عليه السلام كان رسولًا إلى لوط عليه السلام فكان أفضل منه وموسى عليه السلام كان رسولًا إلى الأنبياء الذين كانوا في عسكره وكان أفضل منهم فكذا ههنا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت