فهرس الكتاب

الصفحة 502 من 8321

ولقائل أن يقول الملك إذا أرسل رسولًا إلى بعض النواحي قد يكون ذلك لأنه جعل ذلك الرسول حاكمًا عليهم ومتوليًا لأمورهم ومتصرفًا في أحوالهم وقد لا يكون لأنه يبعثه إليهم ليخبرهم عن بعض الأمور مع أنه لا يجعله حاكمًا عليهم ومتوليًا لأمورهم فالرسول في القسم الأول يجب أن يكون أفضل من المرسل إليه أما في القسم الثاني فظاهر أنه لا يجب أن يكون أفضل من المرسل إليه فالأنبياء المبعوثون إلى أممهم من القسم الأول فلا جرم كانوا أفضل من الأمم فلم قلتم إن بعثة الملائكة إلى الأنبياء من القسم الأول حتى يلزم أن يكونوا أفضل من الأنبياء ، وسادسها: أن الملائكة أتقى من البشر فوجب أن يكونوا أفضل من البشر أما أنهم أتقى فلأنهم مبرؤون عن الزلات وعن الميل إليها لأن خوفهم دائم وإشفاقهم دائم لقوله تعالى: { يخافون ربهم من فوقهم } [ النحل: 50 ] وقوله: { وهم من خشيته مشفقون } [ الأنبياء: 28 ] والخوف والإِشفاق ينافيان العزم على المعصية وأما الأنبياء عليهم السلام فهم مع أنهم أفضل البشر ما خلا كل واحد منهم عن نوع زلة وقال E: « ما منا من أحد إلا عصى أو هم بمعصية غير يحيى بن زكريا عليهما السلام » فثبت أن تقوى الملائكة أشد فوجب أن يكونوا أفضل من البشر لقوله تعالى: { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } [ الحجرات: 13 ] فإن قيل: إن قوله: { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } خطاب مع الآدميين فلا يتناول الملائكة وأيضًا فالتقوى مشتق من الوقاية ولا شهوة في حق الملائكة فيستحيل تحقق التقوى في حقهم . والجواب عن الأول: أن ترتيب الكرامة على التقوى يدل على أن الكرامة معللة بالتقوى فحيث كانت التقوى أكثر كانت الكرامة أكثر . وعن الثاني: لا نسلم عدم الشهوة في حقهم لكن لا شهوة لهم إلى الأكل والمباشرة ولكن لا يلزم من عدم شهوة معينة عدم مطلق الشهوة بل لهم شهوة التقدم والترفع ولهذا قالوا: { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } وقال تعالى: { ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم } [ الأنبياء: 29 ] ولقائل أن يقول الحديث الذي ذكرتم يدل على أن يحيى عليه السلام كان أتقى من سائر الأنبياء فوجب أن يكون أفضل من محمد A وذلك باطل بالإِجماع فعلمنا أنه لا يلزم من زيادة التقوى زيادة الفضل وتحقيقه ما قدمنا أن من المحتمل أن يكون إنسان لم تصدر عنه المعصية قط وصدر عنه من الطاعات ما استحق به مائة جزء من الثواب وإنسان آخر صدرت عنه معصية ثم أتى بطاعة استحق بها ألف جزء من الثواب فيقابل مائة جزء من الثواب بمائة جزء من العقاب فيبقى له تسعمائة جزء من الثواب فهذا الإِنسان مع صدور المعصية منه يكون أفضل من الإِنسان الذي لم تصدر المعصية عنه قط وأيضًا فلا نسلم أن تقوى الملائكة أشد وذلك لأن التقوى مشتق من الوقاية والمقتضي للمعصية في حق بني آدم أكثر فكان تقوى المتقين منهم أكثر ، قوله إن الملائكة لهم شهوة الرياسة قلنا: هذا لا يضرنا وذلك لأن هذه الشهوة حاصلة للبشر أيضًا وقد حصلت لهم أنواع أخر من الشهوات وهي شهوة البطن والفرج وإذا كان كذلك كانت الشهوات الصارفة عن الطاعات أكثر في بني آدم فوجب أن تكون تقوى المتقين منهم أشد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت