فهرس الكتاب

الصفحة 5012 من 8321

{ إِنَّ الله يُمْسِكُ السموات والأرض أَن تَزُولاَ } [ فاطر: 41 ] ومن ذلك قولهم أصلحنا بين القومين ، ومرت بنا غنمان أسودان ، لأن هذا القطيع غنم وذلك غنم .

المسألة الرابعة: الرتق في اللغة السد ، يقال: رتقت الشيء فارتتق والفتق الفصل بين الشيئين الملتصقين . قال الزجاج: الرتق مصدر والمعنى كانتا ذواتي رتق ، قال المفضل: إنما لم يقل كانتا رتقين كقوله: { وَمَا جعلناهم جَسَدًا لاَّ يَأْكُلُونَ الطعام } [ الأنبياء: 8 ] لأن كل واحد جسد كذلك فيما نحن فيه كل واحد رتق .

المسألة الخامسة: اختلف المفسرون في المراد من الرتق والفتق على أقوال: أحدها: وهو قول الحسن وقتادة وسعيد بن جبير ورواية عكرمة عن ابن عباس Bهم أن المعنى كانتا شيئًا واحدًا ملتزقتين ففصل الله بينهما ورفع السماء إلى حيث هي وأقر الأرض وهذا القول يوجب أن خلق الأرض مقدم على خلق السماء لأنه تعالى لما فصل بينهما ترك الأرض حيث هي وأصعد الأجزاء السماوية ، قال كعب: خلق الله السموات والأرض ملتصقتين ثم خلق ريحًا توسطتهما ففتقهما بها . وثانيها: وهو قول أبي صالح ومجاهد أن المعنى كانت السموات مرتتقة فجعلت سبع سموات وكذلك الأرضون . وثالثها: وهو قول ابن عباس والحسن وأكثر المفسرين أن السموات والأرض كانتا رتقًا بالاستواء والصلابة ففتق الله السماء بالمطر والأرض بالنبات والشجر ، ونظيره قوله تعالى: { والسماء ذَاتِ الرجع * والأرض ذَاتِ الصدع } [ الطارق: 11 ، 12 ] ورجحوا هذا الوجه على سائر الوجوه بقوله بعد ذلك: { وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ } وذلك لا يليق إلا وللماء تعلق بما تقدم ولا يكون كذلك إلا إذا كان المراد ما ذكرنا . فإن قيل: هذا الوجه مرجوح لأن المطر لا ينزل من السموات بل من سماء واحدة وهي سماء الدنيا ، قلنا: إنما أطلق عليه لفظ الجمع ، لأن كل قطعة منها سماء ، كما يقال: ثوب أخلاق وبرمة أعشار . واعلم أن هذا التأويل يجوز حمل الرؤية على الإبصار . ورابعها: قول أبي مسلم الأصفهاني: يجوز أن يراد بالفتق الإيجاد والإظهار كقوله: { فَاطِرَ السموات والأرض } [ الشورى: 11 ] وكقوله: { قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السموات والأرض الذى فطَرَهُنَّ } [ الأنبياء: 56 ] فأخبر عن الإيجاد بلفظ الفتق وعن الحال قبل الإيجاد بلفظ الرتق . أقول وتحقيقه أن العدم نفي محض ، فليس فيه ذوات مميزة وأعيان متباينة ، بل كأنه أمر واحد متصل متشابه ، فإذا وجدت الحقائق فعند الوجود والتكون يتميز بعضها عن بعض وينفصل بعضها عن بعض ، فبهذا الطريق حسن جعل الرتق مجازًا عن العدم والفتق عن الوجود . وخامسها: أن الليل سابق على النهار ، لقوله تعالى: { وَءايَةٌ لَّهُمُ اليل نَسْلَخُ مِنْهُ النهار } [ يس: 37 ] وكانت السموات والأرض مظلمة أولًا ففتقهما الله تعالى بإظهار النهار المبصر ، فإن قيل: فأي الأقاويل أليق بالظاهر؟ قلنا: الظاهر يقتضي أن السماء على ما هي عليه ، والأرض على ما هي عليه كانتا رتقًا ، ولا يجوز كونهما كذلك إلا وهما موجودان ، والرتق ضد الفتق فإذا كان الفتق هو المفارقة فالرتق يجب أن يكون هو الملازمة ، وبهذا الطريق صار الوجه الرابع والخامس مرجوحًا ، ويصير الوجه الأول أولى الوجوه ويتلوه الوجه الثاني . وهو أن كل واحد منهما كان رتقًا ففتقهما بأن جعل كل واحد منهما سبعًا ، ويتلوه الثالث وهو أنهما كانا صلبين من غير فطور وفرج ، ففتقهما لينزل المطر من السماء ، ويظهر النبات على الأرض .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت