المسألة السادسة: دلالة هذه الوجوه على إثبات الصانع وعلى وحدانيته ظاهرة ، لأن أحدًا لا يقدر على مثل ذلك ، والأقرب أنه سبحانه خلقهما رتقًا لما فيه من المصلحة للملائكة ، ثم لما أسكن الله الأرض أهلها جعلهما فتقًا لما فيه من منافع العباد .
النوع الثاني من الدلائل: قوله تعالى: { وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شَىْء حَىّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف» قوله: وجعلنا لا يخلو إما أن يتعدى إلى واحد أو اثنين ، فإن تعدى إلى واحد فالمعنى خلقنا من الماء كل حيوان كقوله: { والله خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مّن مَّاء } [ النور: 45 ] أو كأنما خلقناه من الماء لفرط احتياجه إليه وحبه له وقلة صبره عنه كقوله: { خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ } [ الأنبياء: 37 ] وإن تعدى إلى اثنين فالمعنى صيرنا كل شيء حي بسبب من الماء لا بد له منه ، ومن هذا نحو من في قوله عليه السلام:"ما أنا من دد ولا الدد مني"وقرىء حيًا وهو المفعول الثاني .
المسألة الثانية: لقائل أن يقول كيف قال: وخلقنا من الماء كل حيوان ، وقد قال: { والجآن خلقناه مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السموم } [ الحجر: 27 ] وجاء في الأخبار أن الله تعالى خلق الملائكة من النور وقال تعالى في حق عيسى عليه السلام: { وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير بِإِذْنِى فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِى } [ المائدة: 110 ] وقال في حق آدم: { خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ } [ آل عمران: 59 ] والجواب: اللفظ وإن كان عامًا إلا أن القرينة المخصصة قائمة ، فإن الدليل لا بد وأن يكون مشاهدًا محسوسًا ليكون أقرب إلى المقصود ، وبهذا الطريق تخرج عنه الملائكة والجن وآدم وقصة عيسى عليهم السلام ، لأن الكفار لم يروا شيئًا من ذلك .
المسألة الثالثة: اختلف المفسرون فقال بعضهم المراد من قوله: { كُلَّ شَىْء حَىّ } الحيوان فقط ، وقال آخرون بل يدخل فيه النبات والشجر لأنه من الماء صار ناميًا وصار فيه الرطوبة والخضرة والنور والثمر ، وهذا القول أليق بالمعنى المقصود ، كأنه تعالى قال: ففتقنا السماء لإنزال المطر وجعلنا منه كل شيء في الأرض من النبات وغيره حيًا ، حجة القول الأول أن النبات لا يسمى حيًا ، قلنا لا نسلم والدليل عليه قوله تعالى: