المسألة الرابعة: البأس ههنا الحرب وإن وقع على السوء كله ، والمعنى ليمنعكم ويحرسكم من بأسكم أي من الجرح والقتل والسيف والسهم والرمح .
المسألة الخامسة: فيه دلالة على أن أول من عمل الدرع داود ثم تعلم الناس منه ، فتوارث الناس عنه ذلك . فعمت النعمة بها كل المحاربين من الخلق إلى آخر الدهر ، فلزمهم شكر الله تعالى على النعمة فقال: { فَهَلْ أَنتُمْ شاكرون } أي اشكروا الله على ما يسر عليكم من هذه الصنعة ، واعلم أنه سبحانه لما ذكر النعم التي خص داود بها ذكر بعده النعم التي خص بها سليمان عليه السلام ، وقال قتادة: ورث الله تعالى سليمان من داود ملكه ونبوته وزاده عليه أمرين سخر له الريح والشياطين .
الإنعام الأول: قوله تعالى: { ولسليمان الريح عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ } أي جعلناها طائعة منقادة له بمعنى أنه إن أرادها عاصفة كانت عاصفة وإن أرادها لينة كانت لينة والله تعالى مسخرها في الحالتين ، فإن قيل: العاصف الشديدة الهبوب ، وقد وصفها الله تعالى بالرخاوة في قوله: { رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ } فكيف يكون الجمع بينهما . والجواب: من وجهين: الأول: أنها كانت في نفسها رخية طيبة كالنسيم ، فإذا مرت بكرسيه أبعدت به في مدة يسيرة على ما قال: { غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ } وكانت جامعة بين الأمرين رخاء في نفسها وعاصفة في عملها مع طاعتها لسليمان عليه السلام وهبوبها على حسب ما يريد ويحكم آية إلى آية ومعجزة إلى معجزة . الثاني: أنها كانت في وقت رخاء وفي وقت عاصفًا ، لأجل هبوبها على حكم إرادته .
المسألة السادسة: قرىء الريح والرياح بالرفع والنصب فيهما فالرفع على الابتداء والنصب للعطف على الجبال ، فإن قيل: قال في دواد: { وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الجبال } وقال في حق سليمان: { ولسليمان الريح } فذكره في حق داود عليه السلام بكلمة مع وفي حق سليمان عليه السلام باللام وراعى هذا الترتيب أيضًا في قوله: { ياجبال أَوّبِي مَعَهُ والطير } وقال: { فَسَخَّرْنَا لَهُ الريح تَجْرِى بِأَمْرِهِ } فما الفائدة في تخصيص داود عليه السلام بلفظ مع ، وسليمان باللام قلنا يحتمل أن الجبل لما اشتغل بالتسبيح حصل له نوع شرف ، فما أضيف إليه بلام التمليك ، أما الريح فلم يصدر عنه إلا ما يجري مجرى الخدمة ، فلا جرم أضيف إلى سليمان بلام التمليك ، وهذا إقناعي .
أما قوله: { إِلَى الأرض التى بَارَكْنَا فِيهَا وكنا بكل شيءٍ عالمين } أي إلى المضي إلى بيت المقدس ، قال الكلبي: كانت تسير في اصطخر إلى الشام يركب عليها سليمان وأصحابه .
أما قوله: { وَكُنَّا بِكُلّ شَىْء عالمين } أي لعلمنا بالأشياء صح منا أن ندبر هذا التدبير في رسلنا وفي خلقنا ، وأن نفعل هذه المعجزات القاهرة .
الإنعام الثاني: قوله تعالى: { وَمِنَ الشياطين مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلك وَكُنَّا لَهُمْ حافظين } وفيه مسائل: