فهرس الكتاب

الصفحة 5051 من 8321

والثاني: أيضًا محال لأن المتكلم عندهم من كان فاعلًا للكلام لا من كان محلًا للكلام ، فلو كان فاعل ذلك الكلام هو الله تعالى لكان المتكلم هو الله تعالى لا الجبل ، فثبت أنه لا يمكن إجراؤه على ظاهره فعند هذا قالوا في: { وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الجبال يُسَبّحْنَ } ومثله قوله تعالى: { ياجبال أَوّبِي مَعَهُ } [ سبإ: 10 ] معناه تصرفي معه وسيري بأمره ويسبحن من السبح الذي السباحة خرج اللفظ فيه على التكثير ولو لم يقصد التكثير لقيل يسبحن فلما كثر قيل يسبحن معه ، أي سيرى وهو كقوله: { إِنَّ لَكَ فِى النهار سَبْحًَا طَوِيلًا } [ المزمل: 7 ] أي تصرفًا ومذهبًا . إذا ثبت هذا فنقول: إن سيرها هو التسبيح لدلالته على قدرة الله تعالى وعلى سائر ما تنزه عنه واعلم أن مدار هذا القول على أن بنية الجبل لا تقبل الحياة ، وهذا ممنوع وعلى أن التكلم من فعل الله وهو أيضًا ممنوع .

المسألة الثانية: أما الطير فلا امتناع في أن يصدر عنها الكلام ، ولكن أجمعت الأمة على أن المكلفين إما الجن أو الإنس أو الملائكة فيمتنع فيها أن تبلغ في العقل إلى درجة التكليف ، بل تكون على حالة كحال الطفل في أن يؤمر وينهي وإن لم يكن مكلفًا فصار ذلك معجزة من حيث جعلها في الفهم بمنزلة المراهق ، وأيضًا فيه دلالة على قدرة الله تعالى وعلى تنزهه عما لا يجوز فيكون القول فيه كالقول في الجبال .

المسألة الثالثة: قال صاحب «الكشاف» : يسبحن حال بمعنى مسبحات أو استئناف كأن قائلًا قال: كيف سخرهن؟ فقال: يسبحن . والطير إما معطوف على الجبال وإما مفعول معه . فإن قلت: لم قدمت الجبال على الطير؟ قلت: لأن تسخيرها وتسبيحها أعجب وأدل على القدرة وأدخل في الإعجاز ، لأنها جماد والطير حيوان ناطق .

أما قوله: { وَكُنَّا فاعلين } فالمعنى أنا قادرون على أن نفعل هذا وإن كان عجبًا عندكم وقيل نفعل ذلك بالأنبياء عليهم السلام .

الإنعام الثالث: قوله تعالى: { وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شاكرون } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: اللبوس اللباس ، قال ألبس لكل حالة لبوسها .

المسألة الثانية: لتحصنكم قرىء بالنون والياء والتاء وتخفيف الصاد وتشديدها ، فالنون لله D والتاء للصنعة أو للبوس على تأويل الدرع والياء لله تعالى أو لداود أو للبوس .

المسألة الثالثة: قال قتادة: أول من صنع الدرع داود عليه السلام ، وإنما كانت صفائح قبله فهو أول من سردها واتخذها حلقًا ، ذكر الحسن أن لقمان الحكيم عليه السلام حضره وهو يعمل الدرع ، فأراد أن يسأل عما يفعل ثم سكت حتى فرغ منها ولبسها على نفسه ، فقال: الصمت حكمة وقليل فاعله قالوا إن الله تعالى ألان الحديد له يعمل منه بغير نار كأنه طين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت