فهرس الكتاب

الصفحة 5057 من 8321

المسألة الثانية: إعلم أن المعتزلة قد طعنوا في هذه القصة من وجوه . أحدها: قال الجبائي: ذهب بعض الجهال إلى أن ما كان به من المرض كان فعلًا للشيطان سلطه الله عليه ، لقوله تعالى حكاية عنه: { مَسَّنِيَ الشيطان بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ } وهذا جهل ، أما أولًا فلأنه لو قدر على إحداث الأمراض والأسقام وضدهما من العافية لتهيأ له فعل الأجسام ، ومن هذا حاله يكون إلهًا ، وأما ثانيًا فلأن الله تعالى أخبر عنه وعن جنوده بأنه قال: { وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِى } [ إبراهيم: 22 ] والواجب تصديق خبر الله تعالى ، دون الرجوع إلى ما يروى عن وهب بن منبه Bه . واعلم أن هذا الاعتراض ضعيف لأن المذكور في الحكاية أن الشيطان نفخ في منخره فوقعت الحكة فيه ، فلم قلتم إن القادر على النفخة التي تولد مثل هذه الحكة لا بد وأن يكون قادرًا على خلق الأجسام ، وهل هذا إلا محض التحكم ، وأما التمسك بالنص فضعيف لأنه إنما يقدم على هذا الفعل متى علم أنه لو أقدم عليه لما منعه الله تعالى عنه ، وهذه الحالة لم تحصل إلا في حق أيوب عليه السلام على ما دلت الحكاية عليه من أنه استأذن الله تعالى فأذن له فيه ، ومتى كان كذلك لم يبق بين ذلك النص وبين هذه الحكاية مناقضة . وثانيها: قالوا: ما روي أنه عليه السلام لم يسأل إلا عند أمور مخصوصة فبعيد ، لأن الثابت في العقل أنه يحسن من المرء أن يسأل في ذلك ربه ويفزع إليه كما يحسن منه المداواة ، وإذا جاز أن يسأل ربه عند الغم مما يراه من إخوانه وأهله جاز أيضًا أن يسأل ربه من قبل نفسه ، فإن قيل: أفلا يجوز أنه تعالى تعبده بأن لا يسأل الكشف إلا في آخر أمره ، قلنا: يجوز ذلك بأن يعلمه بأن إنزال ذلك به مدة مخصوصة من مصالحه ومصالح غيره لا محالة ، فعلم عليه السلام أنه لا وجه للمسألة في هذا الأمر الخاص ، فإذا قرب الوقت جاز أن يسأل ذلك ، من حيث يجوز أن يدوم ويجوز أن ينقطع . وثالثها: قالوا: انتهاء ذلك المرض إلى حد التنفير عنه غير جائز ، لأن الأمراض المنفرة من القبول غير جائزة على الأنبياء عليهم السلام فهذا جملة ما قيل في هذه الحكاية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت