فهرس الكتاب

الصفحة 5058 من 8321

المسألة الثالثة: قال صاحب «الكشاف» قوله تعالى: { أَنّي مَسَّنِيَ الضر } أي ناداه بأني مسني الضر ، وقرىء إني بالكسر على إضمار القول أو لتضمين النداء معناه ، والضر بالفتح الضرر في كل شيء ، وبالضم الضرر في النفس من مرض وهزال .

المسألة الرابعة: أنه عليه السلام ألطف في السؤال حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة وذكر ربه بغاية الرحمة ولم يصرح بالمطلوب ، فإن قيل: أليس أن الشكوى تقدح في كونه صابرًا . والجواب: قال سفيان بن عيينة C من شكا إلى الله تعالى فإنه لا يعد ذلك جزعًا إذا كان في شكواه راضيًا بقضاء الله تعالى إذ ليس من شرط الصبر استحلاء البلاء ، ألم تسمع قول يعقوب عليه السلام: { إِنَّمَا أَشْكُو بَثّي وَحُزْنِي إِلَى الله } [ يوسف: 86 ] أما قوله: { وَأَنتَ أَرْحَمُ الرحمين } فالدليل على أنه سبحانه: { أَرْحَمُ الرحمين } أمور . أحدها: أن كل من رحم غيره فأما أن يرحمه طلبًا للثناء في الدنيا أو الثواب في الآخرة أو دفعًا للرقة الجنسية عن الطبع ، وحينئذ يكون مطلوب ذلك الراحم منفعة نفسه ، أما الحق سبحانه فإنه يرحم عباده من غير وجه من هذه الوجوه ، ومن غير أن يعود إليه من تلك الرحمة زيادة ولا نقصان من الثناء ومن صفات الكمال ، فكان سبحانه أرحم الراحمين . وثانيها: أن كل من يرحم غيره فلا يكون ذلك إلا بمعونة رحمة الله تعالى لأن من أعطى غيره طعامًا أو ثوبًا أو دفع عنه بلاء ، فلولا أنه سبحانه خلق المطعوم والملبوس والأدوية والأغذية وإلا لما قدر أحد على إعطاء ذلك الشيء ، ثم بعد وصول تلك العطية إليه ، فلولا أنه سبحانه جعله سببًا للراحة لما حصل النفع بذلك ، فإذًا رحمة العباد مسبوقة برحمة الله تعالى وملحوقة برحمته بل رحمتهم فيما بين الطرفين كالقطرة في البحر ، فوجب أن يكون تعالى هو أرحم الراحمين . وثالثها: أن الله تعالى لو لم يخلق في قلب العبد تلك الدواعي والإرادات لاستحال صدور ذلك الفعل عنه ، فكان الراحم هو الحق سبحانه ، من حيث إنه هو الذي أنشأ تلك الداعية ، فثبت أنه أرحم الراحمين فإن قيل كيف يكون أرحم الراحمين مع أنه سبحانه ملأ الدنيا من الآفات والأسقام والأمراض والآلام وسلط البعض على البعض بالذبح والكسر والإيذاء ، وكان قادرًا على أن يغني كل واحد عن إيلام الآخر وإيذائه؟ والجواب: أن كونه سبحانه ضارًا لا ينافي كونه نافعًا ، بل هو الضار النافع فإضراره ليس لدفع مشقة وإنفاعه ليس لجلب منفعة ، بل لا يسأل عما يفعل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت