فهرس الكتاب

الصفحة 507 من 8321

{ فذلكن الذي لمتنني فيه } [ يوسف: 32 ] كالصريح في أن مراد النساء بقولهن: { إن هذا إلا ملك كريم } تعظيم حال يوسف في الحسن والجمال لا في السيرة ، لأن ظهور عذرها في شدة عشقها ، إنما يحصل بسبب فرط يوسف في الجمال لا بسبب فرط زهده وورعه . فإن ذلك لا يناسب شدة عشقها له . سلمنا أن المراد تشبيه يوسف عليه السلام بالملك في الإِعراض عن المشتهيات ، فلم قلت يجب أن يكون يوسف عليه السلام أقل ثوابًا من الملائكة؟ وذلك لأنه لا نزاع في أن عدم التفات البشر إلى المطاعم والمناكح أقل من عدم التفات الملائكة إلى هذه الأشياء ، لكن لم قلتم إن ذلك يوجب بالمزيد في الفضل بمعنى كثرة الثواب؟ فإن تمسكوا بأن كل من كان أقل معصية وجب أن يكون أفضل ، فقد سبق الكلام عليه . الحجة الحادية عشرة: قوله تعالى: { وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلًا } [ الإسراء: 70 ] ومخلوقات الله تعالى إما المكلفون أو من عداهم ولا شك أن المكلفين أفضل من غيرهم ، أما المكلفون فهم أربعة أنواع الملائكة والإِنس والجن الشياطين . ولا شك أن الإِنس أفضل من الجن والشياطين ، فلو كان أفضل من الملك أيضًا لزم حينئذٍ أن يكون البشر أفضل من كل المخلوقات ، وحينئذٍ لا يبقى لقوله تعالى: { وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلًا } [ الإِسراء: 70 ] فائدة: بل كان ينبغي أن يقال وفضلناهم على جميع من خلقنا تفضيلًا ، ولما لم يقل ذلك علمنا أن الملك أفضل من البشر ، ولقائل أن يقول حاصل هذا الكلام تمسك بدليل الخطاب ، لأن التصريح بأنه أفضل من كثير من المخلوقات لا يدل على أنه ليس أفضل من الباقي إلا بواسطة دليل الخطاب ، وأيضًا فهب أن جنس الملائكة أفضل من جنس بني آدم ولكن لا يلزم من كون أحد المجموعين أفضل من المجموع الثاني أن يكون كل واحد من أفراد المجموع الأول أفضل من المجموع الثاني ، فإنا إذا قدرنا عشرة من العبيد كل واحد منهم يساوي مائة دينار ، وعشرة أخرى حصل فيهم عبد يساوي مائتي دينار والتسعة الباقية يساوي كل واحد منهم دينارًا . فالمجموع الأول أفضل من المجموع الثاني ، إلا أنه حصل في المجموع الثاني واحد هو أفضل من كل واحد من آحاد المجموع الأول ، فكذا ههنا وأيضًا فقوله: { وفضلناهم } يجوز أن يكون المراد ، وفضلناهم في الكرامة التي ذكرناها في أول الآية وهي قوله: { ولقد كرمنا بني آدم } ويكون المراد من الكرامة حسن الصورة ومزيد الذكاء والقدرة على الأعمال العجيبة والمبالغة في النظافة والطهارة ، وإذا كان كذلك فنحن نسلم أن الملك أزيد من البشر في هذه الأمور ولكن لم قلتم أن الملك أكثر ثوابًا من البشر ، وأيضًا فقوله: { خلق السموات بغير عمد ترونها } [ لقمان: 10 ] لا يقتضي أن يكون هناك عمد غير مرئي وكذلك قوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت