المسألة الرابعة: أنه سبحانه أمر الناس بالتقوى ثم علل وجوبها عليهم بذكر الساعة ووصفها بأهول صفة ، والمعنى أن التقوى تقتضي دفع مثل هذا الضرر العظيم عن النفس ، ودفع الضرر عن النفس معلوم الوجوب ، فيلزم أن تكون التقوى واجبة .
المسألة الخامسة: احتجت المعتزلة بقوله تعالى: { إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة شَيٌء عَظِيمٌ } وصفها بأنها شيء مع أنها معدومة ، واحتجوا أيضًا بقوله تعالى: { إِنَّ الله على كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } [ البقرة: 20 ] فالشيء الذي قدر الله عليه إما أن يكون موجودًا أو معدومًا ، والأول محال وإلا لزم كون القادر قادرًا على إيجاد الموجود ، وإذا بطل هذا ثبت أن الشيء الذي قدر الله عليه معدوم فالمعدوم شيء . واحتجوا أيضًا بقوله تعالى: { وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْء إِنّي فَاعِلٌ ذلك غَدًا } [ الكهف: 23 ] أطلق اسم الشيء في الحال على ما يصير مفعولًا غدًا ، والذي يصير مفعولًا غدًا يكون معدومًا في الحال ، فالمعدوم شيء والله أعلم والجواب: عن الأول أن الزلزلة عبارة عن الأجسام المتحركة وهي جواهر قامت بها أعراض وتحقق ذلك في المعدوم محال ، فالزلزلة يستحيل أن تكون شيئًا حال عدمها ، فلا بد من التأويل بالاتفاق . ويكون المعنى أنها إذا وجدت صارت شيئًا ، وهذا هو الجواب عن البواقي .
المسألة السادسة: وصف الله تعالى الزلزلة بالعظيم ولا عظيم أعظم مما عظمه الله تعالى . أما قوله تعالى: { يَوْمَ تَرَوْنَهَا } فهو منصوب بتذهل أي تذهل في ذلك اليوم والضمير في ترونها يحتمل أن يرجع إلى الزلزلة وأن يرجع إلى الساعة لتقدم ذكرهما ، والأقرب رجوعه إلى الزلزلة لأن مشاهدتها هي التي توجب الخوف الشديد . واعلم أنه سبحانه وتعالى ذكر من أهوال ذلك اليوم أمورًا ثلاثة أحدها: قوله: { تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ } أي تذهلها الزلزلة والذهول الذهاب عن الأمر مع دهشة ، فإن قيل: لم قال مرضعة دون مرضع؟ قلت المرضعة هي التي في حال الإرضاع وهي ملقمة ثديها الصبي والمرضع شأنها أن ترضع ، وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به ، فقيل مرضعة ليدل على أن ذلك الهول إذا فوجئت به هذه وقد ألقمت الرضيع ثديها نزعته من فيه لما يلحقها من الدهشة ، وقوله: { عَمَّا أَرْضَعَتْ } أي عن إرضاعها أو عن الذي أرضعته وهو الطفل فتكون ما بمعنى من على هذا التأويل . وثانيها: قوله: { وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا } والمعنى أنها تسقط ولدها لتمام أو لغير تمام من هول ذلك اليوم وهذا يدل على أن هذه الزلزلة إنما تكون قبل البعث ، قال الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها بغير فطام وألقت الحوامل ما في بطونها لغير تمام ، وقال القفال: يحتمل أن يقال من ماتت حاملًا أو مرضعة تبعث حاملًا أو مرضعة تضع حملها من الفزع ، ويحتمل أن يكون المراد من ذهول المرضعة ووضع الحمل على جهة المثل كما قد تأول قوله: