فهرس الكتاب

الصفحة 511 من 8321

{ عَلَّمَهُ شَدِيدُ القوى } [ النجم: 5 ] والمعلم لا بدّ وأن يكون أعلم من المتعلم ، وأيضًا فالعلوم قسمان: أحدهما: العلوم التي يتوصل إليها بالعقول كالعلم بذات الله تعالى وصفاته؛ فلا يجوز وقوع التقصير فيها لجبريل عليه السلام ولا لمحمد A ، لأن التقصير في ذلك جهل وهو قادح في معرفة الله تعالى . وأما العلم بكيفية مخلوقات الله تعالى وما فيها من العجائب والعلم بأحوال العرش والكرسي واللوح والقلم والجنة والنار وطباق السموات وأصناف الملائكة وأنواع الحيوانات في المغاور والجبال والبحار فلا شك أن جبريل عليه السلام أعلم بها ، لأنه عليه السلام أطول عمرًا وأكثر مشاهدة لها فكان علمه بها أكثر وأتم . وثانيها: العلوم التي لا يتوصل إليها إلا بالوحي لا لمحمد A ولا لسائر الأنبياء عليهم السلام إلا من جهة جبريل عليه السلام فيستحيل أن يكون لمحمد E فضيلة فيها على جبريل عليه السلام ، وأما جبريل عليه السلام فهو كان الواسطة بين الله تعالى وبين جميع الأنبياء فكان عالمًا بكل الشرائع الماضية والحاضرة ، وهو أيضًا عالم بشرائع الملائكة وتكاليفهم ومحمد E ، ما كان عالمًا بذلك ، فثبت أن جبريل عليه السلام كان أكثر علمًا من محمد E ، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون أفضل منه لقوله تعالى: { قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ } [ الزمر: 9 ] . ولقائل أن يقول لا نسلم أنهم أعلم من البشر ، والدليل عليه أنهم اعترفوا بأن آدم عليه السلام أكثر علمًا منهم بدليل قوله تعالى: { قَالَ يَاءَادَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ } [ البقرة: 33 ] ثم إن سلمنا مزيد علمهم ولكن ذلك لا يقتضي كثرة الثواب ، فإنا نرى الرجل المبتدع محيطًا بكثير من دقائق العلم ولا يستحق شيئًا من الثواب فضلًا عن أن يكون ثوابه أكثر وسببه ما نبهنا مرارًا عليه أن كثرة الثواب إنما تحصل بحسب الإخلاص في الأفعال ولم نعلم أن إخلاص الملائكة أكثر . الحجة التاسعة عشرة: قوله تعالى: { وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنّى إله مّن دُونِهِ فذلك نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ } [ الأنبياء: 29 ] فهذه الآية دالة على أنهم بلغوا في الترفع وعلو الدرجة إلى أنهم لو خالفوا أمر الله تعالى لما خالفوه إلا بادعاء الإلهية لا بشيء آخر من متابعة الشهوات وذلك يدل على نهاية جلالهم . ولقائل أن يقول لا نزاع في نهاية جلالهم ، أما قوله: إنهم بلغوا في الترفع وعلو الدرجة إلى حيث لو خالفوا أمر الله تعالى لما خالفوه إلا في ادعاء الإلهية فهذا مسلم وذلك لأن علومهم كثيرة وقواهم شديدة وهم مبرؤون عن شهوة البطن والفرج ومن كان كذلك فلو خالف أمر الله لم يخالف إلا في هذا المعنى الذي ذكرته لكن لم قلتم إن ذلك يدل على أنهم أكثر ثوابًا من البشر فإن محل الخلاف ليس إلا ذاك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت