فهرس الكتاب

الصفحة 5158 من 8321

{ فاتقوا الله مَا استطعتم } [ التغابن: 16 ] كما أن قوله: { اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ } [ آل عمران: 102 ] منسوخ بذلك؟ الجواب: هذا بعيد لأن التكليف مشروط بالقدرة لقوله تعالى: { لاَ يُكَلّفُ الِلَّهِ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } [ البقرة: 286 ] فكيف يقول الله وجاهدوا في الله على وجه لا تقدرون عليه ، وكيف وقد كان الجهاد في الأول مضيقًا حتى لا يصح أن يفر الواحد من عشرة ، ثم خففه الله بقوله: { الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ } [ الأنفال: 66 ] أفيجوز مع ذلك أن يوجبه على وجه لا يطاق حتى يقال إنه منسوخ .

النوع الثالث: بيان ما يوجب قبول هذه الأوامر وهو ثلاثة: الأول: قوله: { هُوَ اجتباكم } ومعناه أن التكليف تشريف من الله تعالى للعبد ، فلما خصكم بهذا التشريف فقد خصكم بأعظم التشريفات واختاركم لخدمته والاشتغال بطاعته ، فأي رتبة أعلى من هذا ، وأي سعادة فوق هذا ، ويحتمل في اجتباكم خصكم بالهداية والمعونة والتيسير .

أما قوله تعالى: { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى الدين مِنْ حَرَجٍ } فهو كالجواب عن سؤال يذكر وهو أن التكليف وإن كان تشريفًا واجبًا كما ذكرتم لكنه شاق شديد على النفس؟ فأجاب الله تعالى عنه بقوله: { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى الدين مِنْ حَرَجٍ } روي أن أبا هريرة Bه قال كيف قال الله تعالى: { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى الدين مِنْ حَرَجٍ } مع أنه منعنا عن الزنا والسرقة؟ فقال ابن عباس Bهما: بلى ولكن الإصر الذي كان على بني إسرائيل وضع عنكم ، وههنا سؤالات:

السؤال الأول: ما الحرج في أصل اللغة؟ الجواب: روي عن ابن عباس Bهما أنه قال لبعض هذيل ما تعدون الحرج فيكم؟ قال الضيق ، وعن عائشة Bها:"سألت رسول الله A عن ذلك فقال الضيق"

السؤال الثاني: ما المراد من الحرج في الآية؟ الجواب: قيل هو الإتيان بالرخص ، فمن لم يستطع أن يصلي قائمًا فليصل جالسًا ومن لم يستطع ذلك فليؤم ، وأباح للصائح الفطر في السفر والقصر فيه . وأيضًا فإنه سبحانه لم يبتل عبده بشيء من الذنوب إلا وجعل له مخرجًا منها إما بالتوبة أو بالكفارة ، وعن ابن عمر Bهما «أنه من جاءته رخصة فرغب عنها كلف يوم القيامة أن يحمل ثقل تنين حتى يقضي بين الناس» وعن النبي A"إذا اجتمع أمران فأحبهما إلى الله تعالى أيسرهما"وعن كعب: أعطى الله هذه الأمة ثلاثًا لم يعطهم إلا للأنبياء: «جعلهم شهداء على الناس ، وما جعل عليهم في الدين من حرج ، وقال أدعوني أستجب لكم» .

السؤال الثالث: استدلت المعتزلة بهذه الآية في المنع من تكليف مالا يطاق ، فقالوا: لما خلق الله الكفر والمعصية في الكافر والعاصي ثم نهاه عنهما كان ذلك من أعظم الحرج وذلك منفي بصريح هذا النص والجواب: لما أمره بترك الكفر وترك الكفر يقتضي انقلاب علمه جهلًا فقد أمر الله المكلف بقلب علم الله جهلًا وذلك من أعظم الحرج ، ولما استوى القدمان زال السؤال .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت