فهرس الكتاب

الصفحة 5166 من 8321

أما قوله تعالى: { فَأُوْلَئِكَ هُمُ العادون } يعني الكاملون في العدوان المتناهون فيه .

الصفة السادسة: قوله تعالى: { والذين هُمْ لأماناتهم وَعَهْدِهِمْ راعون } قرأ نافع وابن كثير { لأمانتهم } واعلم أنه يسمى الشيء المؤتمن عليه والمعاهد عليه أمانة وعهدًا ، ومنه قوله تعالى: { إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إِلَى أَهْلِهَا } [ النساء: 58 ] وقال: { وَتَخُونُواْ أماناتكم } [ الأنفال: 27 ] وإنما تؤدي العيون دون المعاني فكان المؤتمن عليه الأمانة في نفسه والعهد ، ما عقده على نفسه فيما يقربه إلى ربه ويقع أيضًا على ما أمر الله تعالى به كقوله: { الذين قَالُواْ إِنَّ الله عَهِدَ إِلَيْنَا } [ آل عمران: 183 ] والراعي القائم على الشيء لحفظ وإصلاح كراعي الغنم وراعي الرعية ، ويقال من راعى هذا الشيء؟ أي موليه . واعلم أن الأمانة تتناول كل ما تركه يكون داخلًا في الخيانة وقد قال تعالى: { يأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ لاَ تَخُونُواْ الله والرسول وَتَخُونُواْ أماناتكم } [ الأنفال: 27 ] فمن ذلك العبادات التي المرء مؤتمن عليها وكل العبادات تدخل في ذلك ، لأنها إما أن تخفى أصلًا كالصوم وغسل الجنابة وإسباغ الوضوء أو تخفى كيفية إتيانه بها وقال عليه السلام: « أعظم الناس خيانة من لم يتم صلاته » وعن ابن مسعود Bه: « أول ما تفقدون من دينكم الأمانة وآخر ما تفقدون الصلاة » ومن جملة ذلك ما يلتزمه بفعل أو قول فيلزمه الوفاء به كالودائع والعقود وما يتصل بهما . ومن ذلك الأقوال التي يحرم بها العبيد والنساء لأنه مؤتمن في ذلك ، ومن ذلك أن يراعى أمانته فلا يفسدها بغصب أو غيره ، وأما العهد فإنه دخل فيه العقود والأيمان والنذور ، فبين سبحانه أن مراعاة هذه الأمور والقيام بها معتبر في حصول الفلاح .

الصفة السابعة: قوله: { والذين هُمْ على صلواتهم يحافظون } وإنما أعاد تعالى ذكرها لأن الخشوع والمحافظة متغايران غير متلازمين ، فإن الخشوع صفة للمصلي في حال الأداء لصلاته والمحافظة إنما تصح حال ما لم يؤدها بكمالها . بل المراد بالمحافظة التعهد لشروطها من وقت وطهارة وغيرهما والقيام على أركانها وإتمامها حتى يكون ذلك دأبه في كل وقت ، ثم لما ذكر الله تعالى مجموع هذه الأمور قال: { أُوْلَئِكَ هُمُ الوارثون * الذين يَرِثُونَ الفردوس هُمْ فِيهَا خالدون } وههنا سؤالات:

السؤال الأول: لم سمى ما يجدونه من الثواب والجنة بالميراث؟ مع أنه سبحانه حكم بأن الجنة حقهم في قوله: { إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وأموالهم بِأَنَّ لَهُمُ الجنة } [ التوبة: 111 ] الجواب: من وجوه: الأول: ما روي عن الرسول A وهو أبين على ما يقال فيه وهو: أنه لا مكلف إلا أعد الله له في النار ما يستحقه إن عصى وفي الجنة ما يستحقه إن أطاع وجعل لذلك علامة . فإذا آمن منهم البعض ولم يؤمن البعض صار منزل من لم يؤمن كالمنقول إلى المؤمنين وصار مصيرهم إلى النار الذي لا بد معه من حرمان الثواب كموتهم ، فسمى ذلك ميراثًا لهذا الوجه ، وقد قال الفقهاء إنه لا فرق بين ما ملكه الميت وبين ما يقدر فيه الملك في أنه يورث عنه كذلك قالوا في الدية التي تجب بالقتل إنها تورث مع أنه ما ملكها على التحقيق وذلك يشهد بما ذكرنا ، فإن قيل إنه تعالى وصف كل الذي يستحقونه إرثًا وعلى ما قلتم يدخل في الإرث ما كان يستحقه غيرهم لو أطاع . قلنا لا يمتنع أنه تعالى جعل ما هو منزلة لهذا المؤمن بعينه منزلة لذلك الكافر لو أطاع لأنه عند ذلك كان يزيد في المنازل فإذا آمن هذا عدل بذلك إليه وثانيها: أن انتقال الجنة إليهم بدون محاسبة ومعرفة بمقاديره يشبه انتقال المال إلى الوارث وثالثها: أن الجنة كانت مسكن أبينا آدم عليه السلام فإذا انتقلت إلى أولاده صار ذلك شبيهًا بالميراث .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت