فهرس الكتاب

الصفحة 5181 من 8321

[ النحل: 98 ] كأنه سبحانه أمرهم أن لا يكونوا عن ذكره وعن الاستعاذة به في جميع أحوالهم غافلين .

المسألة الثالثة: هذه مبالغة عظيمة في تقبيح صورتهم حيث أتبع النهي عن الدعاء لهم الأمر بالحمد على إهلاكهم والنجاة منهم كقوله تعالى: { فَقُطِعَ دَابِرُ القوم الذين ظَلَمُواْ والحمد للَّهِ رَبّ العالمين } [ الأنعام: 45 ] وإنما جعل سبحانه استواءهم على السفينة نجاة من الغرق لأنه سبحانه كان عرفه أنه بذلك ينجيه ومن تبعه ، فيصح أن يقول: { نَجَّانَا } من حيث جعله آمنًا بهذا الفعل ووصف قومه بأنهم الظالمون لأن الكفر منهم ظلم لأنفسهم لقوله: { إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [ لقمان: 13 ] ثم إنه سبحانه بعد أن أمره بالحمد على إهلاكهم أمره بأن يدعو لنفسه فقال: { وَقُل رَّبّ أَنزِلْنِى مُنزَلًا مُّبَارَكًا } وقرىء { مُنزَلًا } بمعنى إنزالًا أو موضع إنزال كقوله ليدخلنهم مدخلًا يرضونه . واختلفوا في المنزل على قولين: أحدهما: أن المراد هو نفس السفينة فمن ركبها خلصته مما جرى على قومه من الهلاك والثاني: أن المراد أن ينزله الله بعد خروجه من السفينة من الأرض منزلًا مباركًا والأول أقرب لأنه أمر بهذا الدعاء في حال استقراره في السفينة ، فيجب أن يكون المنزل ذلك دون غيره . ثم بين سبحانه بقوله: { وَأَنتَ خَيْرُ المنزلين } أن الإنزال في الأمكنة قد يقع من غير الله كما يقع من الله تعالى وإن كان هو سبحانه خير من أنزل لأنه يحفظ من أنزله في سائر أحواله ويدفع عنه المكاره بحسب ما يقتضيه الحكم والحكمة ، ثم بين سبحانه أن فيما ذكره من قصة نوح وقومه لآيات ودلالات وعبرًا في الدعاء إلى الإيمان والزجر عن الكفر فإن إظهار تلك المياه العظيمة ثم الإذهاب بها لا يقدر عليه إلا القادر على كل المقدورات ، وظهور تلك الواقعة على وفق قول نوح عليه السلام يدل على المعجز العظيم وإفناء الكفار وبقاء الأرض لأهل الدين والطاعة من أعظم أنواع العبر .

أما قوله: { وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ } فيمكن أن يكون المراد ، وإن كنا لمبتلين فيما قبل ، ويحتمل أن يكون وإن كنا لمبتلين فيما بعد ، وهذا هو الأقرب لأنه كالحقيقة في الاستقبال ، وإذا حمل على ذلك احتمل وجوهًا: أحدها: أن يكون المراد المكلفين في المستقبل أي فيجب فيمن كلفناه أن يعتبر بهذا الذي ذكرناه وثانيها: أن يكون المراد لمعاقبين لمن سلك في تكذيب الأنبياء مثل طريقة قوم نوح وثالثها: أن يكون المراد كما نعاقب من كذب بالغرق وغيره فقد نمتحن بالغرق من لم يكذب على وجه المصلحة لا على وجه التعذيب ، لكي لا يقدر أن كل الغرق يجري على وجه واحد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت