أما قوله: { وَإِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحدة وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فاتقون } فقد فسرناه في سورة الأنبياء وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: المعنى أنه كما يجب اتفاقهم على أكل الحلال والأعمال الصالحة فكذلك هم متفقون على التوحيد وعلى الإتقاء من معصية الله تعالى . فإن قيل لما كانت شرائعهم مختلفة فكيف يكون دينهم واحدًا؟ قلنا المراد من الدين ما لا يختلفون فيه من معرفة ذات الله تعالى وصفاته ، وأما الشرائع فإن الاختلاف فيها لا يسمى اختلافًا في الدين ، فكما يقال في الحائض والطاهر من النساء إن دينهن واحد وإن افترق تكليفهما فكذا ههنا ، ويدل على ذلك قوله: { وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فاتقون } فكأنه نبه بذلك على أن دين الجميع واحد فيما يتصل بمعرفة الله تعالى واتقاء معاصيه فلا مدخل للشرائع ، وإن اختلفت في ذلك .
المسألة الثانية: قرىء وإن بالكسر على الاستئناف وإن بمعنى ولأن وإن مخففة من الثقيلة وأمتكم مرفوعة معها .
أما قوله تعالى: { فَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا } فالمعنى فإن أمم الأنبياء عليهم السلام تقطعوا أمرهم بينهم وفي قوله: { فَتَقَطَّعُواْ } معنى المبالغة في شدة اختلافهم والمراد بأمرهم ما يتصل بالدين .
أما قوله { زُبُرًا } فقرىء زبرًا جمع زبور أي كتبًا مختلفة يعني جعلوا دينهم أديانًا وزبرًا قطعًا استعيرت من زبر الفضة والحديد وزبرًا مخففة الباء كرسل في رسل قال الكلبي ومقاتل والضحاك يعني مشركي مكة والمجوس واليهود والنصارى .
أما قوله تعالى: { كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } فمعناه أن كل فريق منهم مغتبط بما اتخذه دينًا لنفسه معجب به يرى المحق أنه الرابح ، وأن غيره المبطل الخاسر ، ولما ذكر الله تعالى تفرق هؤلاء في دينهم أتبعه بالوعيد ، وقال: { فَذَرْهُمْ فِى غَمْرَتِهِمْ } حتى حين الخطاب لنبينا A يقول: فدع هؤلاء الكفار في جهلهم والغمرة الماء الذي يغمر القامة فكأن ما هم فيه من الجهل والحيرة صار غامرًا ساترًا لعقولهم ، وعن علي عليه السلام: { فِى غمراتهم حتى حِينٍ } وذكروا في الحين وجوهًا: أحدها: إلى حين الموت وثانيها: إلى حين المعاينة وثالثها: إلى حين العذاب ، والعادة في ذلك أن يذكر في الكلام ، والمراد به الحالة التي تقترن بها الحسرة والندامة ، وذلك يحصل إذا عرفهم الله بطلان ما كانوا عليه وعرفهم سوء منقلبهم ، ويحصل أيضًا عند المحاسبة في الآخرة ، ويحصل عند عذاب القبر والمساءلة فيجب أن يحمل على كل ذلك .
ولما كان القوم في نعم عظيمة في الدنيا جاز أن يظنوا أن تلك النعم كالثواب المعجل لهم على أديانهم ، فبين سبحانه أن الأمر بخلاف ذلك ، فقال: { أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الخيرات } قرىء يمدهم ويسارع بالياء والفاعل هو الله سبحانه وفي المعنى وجهان: أحدهما: أن هذا الإمداد ليس إلا استدراجًا لهم في المعاصي ، واستجرارًا لهم في زيادة الإثم وهم يحسبونه مسارعة في الخيرات وبل للاستدراك لقوله: { أَيَحْسَبُونَ } يعني بل هم أشباه البهائم لا فطنة لهم ولا شعور حتى يتفكروا في ذلك ، أهو استدراج أم مسارعة في الخير ، وهذه الآية كقوله: