« لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها » ونبه بقوله في دين الله على أن الدين إذا أوجب أمرًا لم يصح استعمال الرأفة في خلافه .
أما قوله تعالى: { إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر } فهو من باب التهييج والنهاب الغضب لله تعالى ولدينه . قال الجبائي تقدير الآية: إن كنتم مؤمنين فلا تتركوا إقامة الحدود ، وهذا يدل على أن الاشتغال بأداء الواجبات من الإيمان بخلاف ما تقوله المرجئة والجواب: أن الرأفة لا تحصل إلا إذا حكم الإنسان بطبعه أن الأولى أن لا تقام تلك الحدود ، وحينئذ يكون منكرًا للدين فيخرج عن الإيمان في الحديث « يؤتى بوال نقص من الحد سوطًا ، فيقال له لم فعلت ذاك؟ فيقول رحمة لعبادك ، فيقال له أنت أرحم بهم مني! فيؤمر به إلى النار ، ويؤتى بمن زاد سوطًا فيقال له لم فعلت ذلك؟ فيقول لينتهوا عن معاصيك ، فيقول أنت أحكم به مني! فيؤمر به إلى النار »
أما قوله تعالى: { وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مّنَ المؤمنين } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: قوله تعالى: { وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ } أمر وظاهره للوجوب ، لكن الفقهاء قالوا يستحب حضور الجمع والمقصود إعلان إقامة الحد ، لما فيه من مزيد الردع ، ولما فيه من رفع التهمة عمن يجلد ، وقيل أراد بالطائفة الشهود لأنه يجب حضورهم ليعلم بقاؤهم على الشهادة .
المسألة الثانية: اختلفوا في أقل الطائفة على أقوال: أحدها: أنه رجل واحد وهو قول النخعي ومجاهد . واحتجا بقوله تعالى: { وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا } [ الحجرات: 9 ] وثانيها: أنه اثنان وهو قول عكرمة وعطاء واحتجا بقوله تعالى: { فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَائِفَةٌ لّيَتَفَقَّهُواْ فِى الدين } [ التوبة: 122 ] وكل ثلاثة فرقة والخارج من الثلاثة واحد أو اثنان ، والاحتياط يوجب الأخذ بالأكثر وثالثها: أنه ثلاثة وهو قول الزهري وقتادة ، قالوا الطائفة هي الفرقة التي يمكن أن تكون حلقة ، كأنها الجماعة الحافة حول الشيء ، وهذه الصورة أقل ما لا بد في حصولها هو الثلاثة ورابعها: أنه أربعة بعدد شهود الزنا ، وهو قول ابن عباس والشافعي Bهم وخامسها: أنه عشرة وهو قول الحسن البصري ، لأن العشرة هي العدد الكامل .
المسألة الثالثة: تسميته عذابًا يدل على أنه عقوبة ، ويجوز أن يسمى عذابًا لأنه يمنع المعاودة كما سمي نكالًا لذلك ، ونبه تعالى بقوله: { مِنَ المؤمنين } على أن الذين يشهدون يجب أن يكونوا بهذا الوصف ، لأنهم إذا كانوا كذلك عظم موقع حضورهم في الزجر وعظم موقع إخبارهم عما شاهدوا فيخاف المجلود من حضورهم الشهرة ، فيكون ذلك أقوى في الانزجار . والله أعلم .