فهرس الكتاب

الصفحة 5238 من 8321

« فما أوثقناه ولا حفرنا له » ولأنه هرب ، ولو كان في حفرة لما أمكنه ذلك .

المسألة الرابعة: إذا مات في الحد يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين ، فهذا ما أردنا ذكره من بيان الأحكام الشرعية المتعلقة بهذه الآية .

أما المباحث العقلية: فاعلم أن من الناس من قال: لا شك أن البدن مركب من أجزاء كثيرة ، فإما أن يقوم بكل جزء حياة وعلم وقدرة على حدة أو يقوم بكل الأجزاء حياة واحدة وعلم واحد وقدرة واحدة ، والثاني محال لاستحالة قيام العرض الواحد بالمحال الكثيرة فتعين الأول ، وإذا كان كذلك كان كل جزء من أجزاء البدن حيًا على حدة وعالمًا على حدة وقادرًا على حدة ، وإذا ثبت هذا فنقول الزاني هو الفرج لا الظهر ، فكيف يحسن من الحكيم أن يأمر بجلد الظهر ، ولأنه ربما كان الإنسان حال إقدامه على الزنا عجيفًا نحيفًا ثم يسمن بعد ذلك فكيف يجوز إيلام تلك الأجزاء الزائدة مع أنها كانت بريئة عن فعل الزنا ، فإن قال قائل هذا مدفوع من وجهين: الأول: وهو أنه ليس كل واحد من أجزاء البدن فاعلًا على حدة وحيًا على حدة وذلك محال ، بل الحياة والعلم والقدرة تقوم بالجزء الواحد ثم توجب حكم الحيية والعالمية والقادرية لمجموع الأجزاء ، فيكون المجموع حيًا واحدًا عالمًا واحدًا قادرًا واحدًا ، وعلى هذا التقدير يزول السؤال الثاني: أن يقال الذي هو الفاعل والمحرك والمدرك شيء ليس بجسم ولا جسماني . وإنما هو مدبر لهذا البدن ، وعلى هذا التقدير أيضًا يزول السؤال والجواب: أما الأول فضعيف ، وذلك لأن العلم إذا قام بجزء واحد ، فإما أن يحصل بمجموع الأجزاء عالمية واحدة فيلزم قيام الصفة الواحدة بالمحال الكثيرة وهو محال ، أو يقوم بكل جزء عالمية على حدة فيعود المحذور المذكور ، وأما الثاني ففي نهاية البعد لأنه إذا كان الفاعل للقبيح هو ذلك المباين فلم يضرب هذا الجسد؟ واعلم أن المقصود من أحكام الشرع رعاية المصالح ، ونحن نعلم أن شرع الحد يفيد الزجر ، فكان المقصود حاصلًا والله أعلم .

أما قوله تعالى: { وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ الله } ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: الرأفة الرقة والرحمة وقراءة العامة بسكون الهمزة وقرىء رأفة بفتح الهمزة ورآفة على فعالة .

المسألة الثانية: يحتمل أن يكون المراد أن لا تأخذكم رأفة بأن يعطل الحد أو ينقص منه ، والمعنى لا تعطلوا حدود الله ولا تتركوا إقامتها للشفقة والرحمة ، وهذا قول مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير واختيار الفراء والزجاج ، ويحتمل أن لا تأخذكم رأفة بأن يخفف الجلد وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وقتادة ، ويحتمل كلا الأمرين والأول أولى لأن الذي تقدم ذكره الأمر بنفس الجلد ، ولم يذكر صفته ، فما يعقبه يجب أن يكون راجعًا إليه وكفى برسول الله أسوة في ذلك حيث قال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت