{ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم } [ المائدة: 6 ] فإن فاء التعقيب ما دخلت على غسل الوجه بل على مجموع هذه الأمور من حيث إن الواو لا تفيد الترتيب . فكذا ههنا كلمة إلا ما دخلت على واحد بعينه لأن حرف الواو لا يفيد الترتيب بل دخلت على المجموع ، فإن قيل الواو قد تكون للجمع على ما ذكرت وقد تكون للاستئناف وهي في قوله: { وَأُوْلَئِكَ هُمُ الفاسقون } لأنها إنما تكون للجمع فيما لا يختلف معناه ونظمه جملة واحدة ، فيصير الكل كالمذكور معًا مثل آية الوضوء فإن الكل أمر واحد كأنه قال فاغسلوا هذه الأعضاء فإن الكل قد تضمنه لفظ الأمر . وأما آية القذف فإن ابتداءها أمر وآخرها خبر فلا يجوز أن ينظمهما جملة واحدة ، وكان الواو للاستئناف فيختص الاستثناء به ، قلنا لم لا يجوز أن نجعل الجمل الثلاث بمجموعهن جزاء الشرط كأنه قيل ومن قذف المحصنات فاجلدوهم وردوا شهادتهم وفسقوهم ، أي فاجمعوا لهم الجلد والرد والفسق ، إلا الذين تابوا عن القذف وأصلحوا فإن الله يغفر لهم فينقبون غير مجلودين ولا مردودين ولا مفسقين وثالثها: أن قوله: { وَأُوْلَئِكَ هُمُ الفاسقون } عقيب قوله: { وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا } يدل على أن العلة في عدم قبول تلك الشهادة كونه فاسقًا ، لأن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية ، لا سيما إذا كان الوصف مناسبًا وكونه فاسقًا يناسب أن لا يكون مقبول الشهادة ، إذا ثبت أن العلة لرد الشهادة ليست إلا كونه فاسقًا ، ودل الاستثناء على زوال الفسق فقد زالت العلة فوجب أن يزول الحكم لزوال العلة ورابعها: أن مثل هذا الاستثناء موجود في القرآن ، قال الله تعالى: { إِنَّمَا جَزَاء الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ } [ المائدة: 33 ] إلى قوله: { إِلاَّ الذين تَابُواْ } [ البقرة: 160 ] ولا خلاف أن هذا الاستثناء راجع إلى ما تقدم من أول الآية ، وأن التوبة حاصلة لهؤلاء جميعًا وكذلك قوله: { لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى } إلى قوله: { فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ } [ النساء: 43 ] وصار التيمم لمن وجب عليه الاغتسال ، كما أنه مشروع لمن وجب عليه الوضوء ، وهذا الوجه ذكره أبو عبيد في إثبات مذهب الشافعي C ، واحتج أصحاب أبي حنيفة على أن حكم الاستثناء مختص بالجملة الأخيرة بوجوه: أحدها: أن الاستثناء من الاستثناء يختص بالجملة الأخيرة ، فكذا في جميع الصور طردًا للباب وثانيها: أن المقتضي لعموم الجمل المتقدمة قائم والمعارض وهو الاستثناء يكفي في تصحيحه تعليقه بجملة واحدة ، لأن بهذا القدر يخرج الاستثناء عن أن يكون لغوًا فوجب تعليقه بالجملة الواحدة فقط وثالثها: أن الاستثناء لو رجع إلى كل الجمل المتقدمة لوجب أنه إذا تاب أن لا يجلد وهذا باطل بالإجماع فوجب أن يختص الاستثناء بالجملة الأخيرة والجواب: عن الأول أن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي ، فالاستثناء عقيب الاستثناء لو رجع إلى الاستثناء الأول وإلى المستثنى فبقدر ما نفي من أحدهما أثبت في الآخر فينجبر الناقص بالزائد ويصير الاستثناء الثاني عديم الفائدة ، فلهذا السبب قلنا في الاستثناء من الاستثناء إنه يختص بالجملة الأخيرة والجواب: عن الثاني أنا بينا أن واو العطف لا تقتضي الترتيب فلم يكن بعض الجمل متأخرًا في التقدير عن البعض ، فلم يكن تعليقه بالبعض أولى من تعليقه بالباقي ، فوجب تعليقه بالكل والجواب: عن الثالث أنه ترك العمل به في حق البعض فلم يترك العمل به في حق الباقي ، واحتج أصحاب أبي حنيفة C في المسألة بوجوه من الأخبار أحدها: ما روى ابن عباس Bهما في قصة هلال بن أمية حين قذف امرأته بشريك بن سحماء فقال رسول الله A: