فهرس الكتاب

الصفحة 5355 من 8321

{ واتقوا الذي خَلَقَكُمْ والجبلة الأولين } [ الشعراء: 184 ] ومنه فلان مجبول على كذا ، قال المفسرون والأول أولى لأن السماء اسم لهذا الجسم المخصوص ، فجعله اسمًا للسحاب بطريقة الاشتقاق مجاز ، وكما يصح أن يجعل الله الماء في السحاب ثم ينزله بردًا ، فقد يصح أن يكون في السماء جبال من برد ، وإذا صح في القدرة كلا الأمرين فلا وجه لترك الظاهر .

المسألة الثانية: قال أبو علي الفارسي قوله تعالى: { مِنَ السماء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ } فمن الأولى لابتداء الغاية لأن ابتداء الإنزال من السماء ، والثانية للتبعيض لأن ما ينزله الله بعض تلك الجبال التي في السماء ، والثالثة للتبيين لأن جنس تلك الجبال جنس البرد ، ثم قال ومفعول الإنزال محذوف والتقدير وينزل من السماء من جبال فيها من برد ، إلا أنه حذف للدلالة عليه .

أما قوله: { فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء } فالظاهر أنه راجع إلى البرد ، ومعلوم من حاله أنه قد يضر ما يقع عليه من حيوان ونبات ، فبين سبحانه أنه يصيب به من يشاء على وفق المصلحة ويصرفه ، أي يصرف ضرره عمن يشاء بأن لا يسقط عليه ، ومن الناس من حمل البرد على الحجر وجعل نزوله جاريًا مجرى عذاب الاستئصال وذلك بعيد .

أما قوله تعالى: { يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بالأبصار } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قرىء { يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ } على الإدغام وقرىء ( بُرَقه ) جمع بُرْقة وهي المقدار من البرق وبُرُقه بضمتين للاتباع كما قيل في جمع فعلة فعلات كظلمات ، و ( سناء برقه ) على المد والمقصور بمعنى الضوء والممدود بمعنى العلو والارتفاع من قولك سنى للمرتفع و { يَذْهَبُ بالأبصار } على زيادة الباء كقوله: { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة } [ البقرة: 195 ] عن أبي جعفر المدني .

المسألة الثانية: وجه الاستدلال بقوله: { يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بالأبصار } أن البرق الذي يكون صفته ذلك لا بد وأن يكون نارًا عظيمة خالصة ، والنار ضد الماء والبرد فظهوره من البرد يقتضي ظهور الضد من الضد ، وذلك لا يمكن إلا بقدرة قادر حكيم .

المسألة الثالثة: اختلف النحويون في أنك إذا قلت ذهبت بزيد إلى الدار فهل يجب أن تكون ذاهبًا معه إلى الدار ، فالمنكرون احتجوا بهذه الآية .

أما قوله: { يُقَلِّبُ الله اليل والنهار } فقيل فيه وجوه: منها تعاقبهما ومجيء أحدهما بعد الآخر وهو كقوله: { وَهُوَ الذي جَعَلَ اليل والنهار خِلْفَةً } [ الفرقان: 62 ] ومنها ولوج أحدهما في الآخر وأخذ أحدهما من الآخر . ومنها تغير أحوالهما في البرد والحر وغيرهما ولا يمتنع في مثل ذلك أن يريد تعالى معاني الكل لأنه في الإنعام والاعتبار أولى وأقوى .

أما قوله تعالى: { إِنَّ فِي ذلك لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأبصار } فالمعنى أن فيما تقدم ذكره دلالة لمن يرجع إلى بصيرة ، فمن هذا الوجه يدل أن الواجب على المرء أن يتدبر ويتفكر في هذه الأمور ، ويدل أيضًا على فساد التقليد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت