فهرس الكتاب

الصفحة 5383 من 8321

الأول: هل في قوله: { وَخَلَقَ كُلَّ شَىْء } دلالة على أنه سبحانه خالق لأعمال العباد؟ والجواب: نعم من وجهين: الأول: أن قوله: { وَخَلَقَ كُلَّ شَىْء } يتناول جميع الأشياء فيتناول أفعال العباد ، والثاني: وهو أنه تعالى بعد أن نفى الشريك ذكر ذلك ، والتقدير أنه سبحانه لما نفى الشريك كأن قائلًا قال: ههنا أقوام يعترفون بنفي الشركاء والأنداد ، ومع ذلك يقولون إنهم يخلقون أفعال أنفسهم فذكر الله تعالى هذه الآية لتكون معينة في الرد عليهم ، قال القاضي الآية لا تدل عليه لوجوه: أحدها: أنه سبحانه صرح بكون العبد خالقًا في قوله: { وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير } [ المائدة: 110 ] وقال: { فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين } [ المؤمنون: 14 ] وثانيها: أنه سبحانه تمدح بذلك فلا يجوز أن يريد به خلق الفساد وثالثها: أنه سبحانه تمدح بأنه قدره تقديرًا ولا يجوز أن يريد به إلا الحسن والحكمة دون غيره ، فثبت بهذه الوجوه أنه لا بد من التأويل لو دلت الآية بظاهرها عليه ، فكيف ولا دلالة فيها ألبتة ، لأن الخلق عبارة عن التقدير فهو لا يتناول إلا ما يظهر فيه التقدير ، وذلك إنما يظهر في الأجسام لا في الأعراض والجواب:

أما قوله: { وَإِذْ تَخْلُقُ } وقوله: { أَحْسَنُ الخالقين } فهما معارضان بقوله: { الله خالق كُلّ شَىْء } [ الزمر: 62 ] وبقوله: { هَلْ مِنْ خالق غَيْرُ الله } [ فاطر: 3 ] وأما قوله لا يجوز التمدح بخلق الفساد ، قلنا لم لا يجوز أن يقع التمدح به نظرًا إلى تقادير القدرة وإلى أن صفة الإيجاد من العدم والإعدام من الوجود ليست إلا له؟ وأما قوله: الخلق لا يتناول إلا الأجسام ، فنقول لو كان كذلك لكان قوله { خَلَقَ كُلَّ شَىْء } خطأ لأنه يقتضي إضافة الخلق إلى جميع الأشياء مع أنه لا يصح في العقل إضافته إليها .

السؤال الثاني: في الخلق معنى التقدير ( فقوله ) : { وَخَلَقَ كُلَّ شَىْء فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا } ( معناه ) وقدر كل شيء فقدره تقديرًا؟ والجواب: المعنى ( أنه ) أحدث كل شيء إحداثًا يراعي فيه التقدير والتسوية ، فقدره تقديرًا وهيأه لما يصلح له ، مثاله أنه خلق الإنسان على هذا الشكل المقدر ( المستوي ) الذي تراه ، فقدره للتكاليف والمصالح المنوطة ( به في باب ) الدين والدنيا ، وكذلك كل حيوان وجماد جاء به على الجبلة المستوية المقدرة بأمثلة الحكمة والتدبير فقدره لأمر ما ومصلحة ما مطابقًا لما قدر ( له ) غير ( متخلف ) عنه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت