{ إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِى مَن تَشَاء } [ الأعراف: 155 ] . السؤال الثاني: كيف كانت تلك الوسوسة ، الجواب: أنها هي التي حكى الله تعالى عنها في قوله: { مَا نهاكما رَبُّكُمَا عَنْ هذه الشجرة إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخالدين } [ الأعراف: 20 ] ، فلم يقبلا ذلك منه ، فلما أيس من ذلك عدل إلى اليمين على ما قال: { وَقَاسَمَهُمَا إِنّي لَكُمَا لَمِنَ الناصحين } [ الأعراف: 21 ] ، فلم يصدقاه أيضًا ، والظاهر أنه بعد ذلك عدل إلى شيء آخر وهو أنه شغلهما باستيفاء اللذات المباحة حتى صارا مستغرقين فيه فحصل بسبب استغراقهما فيه نسيان النهي فعند ذلك حصل ما حصل ، والله أعلم بحقائق الأمور كيف كانت .
أما قوله تعالى: { وَقُلْنَا اهبطوا } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: من قال إن جنة آدم كانت في السماء فسر الهبوط بالنزول من العلو إلى السفل ، ومن قال إنها كانت في الأرض فسره بالتحول من موضع إلى غيره ، كقوله: { اهبطوا مِصْرًا } [ البقرة: 61 ] .
المسألة الثانية: اختلفوا في المخاطبين بهذا الخطاب بعد الاتفاق على أن آدم وحواء عليهما السلام كانا مخاطبين به وذكروا فيه وجوهًا: الأول: وهو قول الأكثرين: أن إبليس داخل فيه أيضًا قالوا لأن إبليس قد جرى ذكره في قوله: { فَأَزَلَّهُمَا الشيطان عَنْهَا } أي فأزلهما وقلنا لهم اهبطوا .
وأما قوله تعالى: { بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } فهذا تعريف لأدم وحواء عليهما السلام أن إبليس عدو لهما ولذريتهما كما عرفهما ذلك قبل الأكل من الشجرة فقال: { فَقُلْنَا يائادم إن هذا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجنة فتشقى } [ طه: 117 ] ، فإن قيل: إن إبليس لما أبى من السجود صار كافرًا / وأخرج من الجنة وقيل له: { فاهبط مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا } [ الأعراف: 13 ] ، وقال أيضًا: { فاخرج مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ } [ ص: 77 ، الحجر: 34 ] ، وإنما اهبط منها لأجل تكبره ، فزلة آدم عليه السلام إنما وقعت بعد ذلك بمدة طويلة ، ثم أمر بالهبوط بسبب الزلة ، فلما حصل هبوط إبليس قبل ذلك كيف يكون قوله: { اهبطوا } ، متناولًا له؟ قلنا: إن الله تعالى لما أهبطه إلى الأرض فلعله عاد إلى السماء مرة أخرى لأجل أن يوسوس إلى آدم وحواء فحين كان آدم وحواء في الجنة قال الله تعالى لهما: