{ اهبطا } [ طه: 123 ] فلما خرجا من الجنة واجتمع إبليس معهما خارج الجنة أمر الكل فقال: { اهبطوا } ومن الناس من قال ليس معنى قوله: { اهبطوا } أنه قال ذلك لهم دفعة واحدة ، بل قال ذلك لكل واحد منهم على حدة في وقت . الوجه الثاني: أن المراد آدم وحواء والحية وهذا ضعيف لأنه ثبت بالإجماع أن المكلفين هم الملائكة والجن والإنس ، ولقائل أن يمنع هذا الإجماع فإن من الناس من يقول قد يحصل في غيرهم جمع من المكلفين على ما قال تعالى: { كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ } [ النور: 41 ] ، وقال سليمان للهدهد: { لأُعَذّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا } [ النمل: 21 ] . الثالث: المراد آدم وحواء وذريتهما لأنهما لما كانا أصل الإنس جعلا كأنهما الإنس كلهم ، والدليل عليه قوله: { اهبطوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ . . . . . اهبطوا مِنْهَا جَمِيعًا } [ البقرة: 36 ، 38 ] ، ويدل عليه أيضًا قوله: { فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بآياتنا أُولَئِكَ أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون } [ البقرة: 38 ، 39 ] . وهذا حكم يعم الناس كلهم ومعنى: { بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } ما عليه الناس من التعادي والتباغض وتضليل بعضهم لبعض ، واعلم أن هذا القول ضعيف لأن الذرية ما كانوا موجودين في ذلك الوقت فكيف يتناولهم الخطاب؟ أما من زعم أن أقل الجمع اثنان فالسؤال زائل على قوله .
المسألة الثالثة: اختلفوا في أن قوله: { اهبطوا } أمر أو إباحة ، والأشبه أنه أمر لأن فيه مشقة شديدة لأن مفارقة ما كانا فيه من الجنة إلى موضع لا تحصل المعيشة فيه إلا بالمشقة والكد من أشق التكاليف ، وإذا ثبت هذا بطل ما يظن أن ذلك عقوبة ، لأن التشديد في التكليف سبب للثواب ، فكيف يكون عقابًا مع ما فيه من النفع العظيم؟ فإن قيل: ألستم تقولون في الحدود وكثير من الكفارات إنها عقوبات وإن كانت من باب التكاليف ، قلنا: أما الحدود فهي واقعة بالمحدود من فعل الغير ، فيجوز أن تكون عقابًا إذا كان الرجل مصرًا ، وأما الكفارات فإنما يقال في بعضها إنه يجري مجرى العقوبات لأنها لا تثبت إلا مع المأثم . فأما أن تكون عقوبة مع كونها تعريضات للثواب العظيم فلا .
المسألة الرابعة: أن قوله تعالى: { اهبطوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } ، أمر بالهبوط وليس أمرًا بالعداوة ، لأن عداوة إبليس لآدم وحواء عليهما السلام بسبب الحسد والاستكبار عن السجود واختداعه إياهما حتى أخرجهما من الجنة وعداوته لذريتهما بإلقاء الوسوسة والدعوة إلى الكفر والمعصية ، وشيء من ذلك لا يجوز أن يكون مأمورًا به ، فأما عداوة آدم لإبليس فإنها مأمور بها لقوله تعالى: { إِنَّ الشيطان لَكُمْ عَدُوٌّ فاتخذوه عَدُوًّا } [ فاطر: 6 ] وقال تعالى: { يابنى آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشيطان كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مّنَ الجنة } [ الأعراف: 27 ] إذا ثبت هذا ظهر أن المراد من الآية اهبطوا من السماء وأنتم بعضكم لبعض عدو .