فهرس الكتاب

الصفحة 5396 من 8321

{ فَرِيقٌ فِى الجنة وَفَرِيقٌ فِى السعير } [ الشورى: 7 ] وإما أن يخرجه من النار ويدخله الجنة وذلك باطل لأن الجنة حق المتقين لقوله تعالى: { كَانَتْ لَهُمْ جَزَاء وَمَصِيرًا } فجعل الجنة لهم ومختصة بهم وبين أنها إنما كانت لهم لكونها جزاء لهم على أعمالهم فكانت حقًا لهم ، وإعطاء حق الإنسان لغيره لا يجوز ، ولما بطلت الأقسام ثبت أن العفو غير جائز أجاب أصحابنا لم لا يجوز أن يقال: المتقون يرضون بإدخال الله أهل العفو في الجنة؟ فحينئذ لا يمتنع دخولهم فيها ، الوجه الثاني: قالوا: المتقي في عرف الشرع مختص بمن اتقى الكفر والكبائر ، وإن اختلفنا في أن صاحب الكبيرة هل يسمى مؤمنًا أم لا ، لكنا اتفقنا على أنه لا يسمى متقيًا ، ثم قال في وصف الجنة إنها كانت لهم جزاء ومصيرًا وهذا للحصر ، والمعنى أنها مصير للمتقين لا لغيرهم ، وإذا كان كذلك وجب أن لا يدخلها صاحب الكبيرة ، قلنا أقصى ما في الباب أن هذا العموم صريح في الوعيد فتخصه بآيات الوعد .

المسألة الثالثة: لقائل أن يقول: إن الجنة ستصير للمتقين جزاء ومصيرًا ، لكنها بعد ما صارت كذلك ، فلم قال الله تعالى: { كَانَتْ لَهُمْ جَزَاء وَمَصِيرًا } ؟ جوابه من وجهين: الأول: أن ما وعد الله فهو في تحققه كأنه قد كان والثاني: أنه كان مكتوبًا في اللوح قبل أن يخلقهم الله تعالى بأزمنة متطاولة أن الجنة جزاؤهم ومصيرهم .

أما قوله تعالى: { لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءونَ خالدين } فهو نظير قوله: { وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِى أَنفُسُكُمْ } [ فصلت: 31 ] وفيه مسائل:

المسألة الأولى: لقائل أن يقول أهل الدرجات النازلة إذا شاهدوا الدرجات العالية لا بد وأن يريدوها ، فإذا سألوها ربهم ، فإن أعطاهم إياها لم يبق بين الناقص والكامل تفاوت في الدرجة ، وإن لم يعطها قدح ذلك في قوله: { لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءونَ } وأيضًا فالأب إذا كان ولده في درجات النيران وأشد العذاب إذا اشتهى أن يخلصه الله تعالى من ذلك العذاب فلا بد وأن يسأل ربه أن يخلصه منه ، فإن فعل الله تعالى ذلك قدح في أن عذاب الكافر مخلد ، وإن لم يفعل قدح ذلك في قوله: { وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِى أَنفُسُكُمْ } وفي قوله: { لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءونَ } وجوابه: أن الله تعالى يزيل ذلك الخاطر عن قلوب أهل الجنة بل يكون اشتغال كل واحد منهم بما فيه من اللذات شاغلًا عن الالتفات إلى حال غيره .

المسألة الثانية: شرط نعيم الجنة أن يكون دائمًا ، إذ لو انقطع لكان مشوبًا بضرب من الغم ولذلك قال المتنبي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت