فهرس الكتاب

الصفحة 5397 من 8321

أشد الغم عندي في سرور ... تيقن عنه صاحبه انتقالا

ولذلك اعتبر الخلود فيه فقال: { لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءونَ خالدين } .

المسألة الثالثة: قوله تعالى: { لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءونَ } كالتنبيه على أن حصول المرادات بأسرها لا يكون إلا في الجنة فأما في غيرها فلا يحصل ذلك ، بل لا بد في الدنيا من أن تكون راحاتها مشوبة بالجراحات ، ولذلك قال عليه السلام: « من طلب ما لم يخلق أتعب نفسه ولم يرزق ، فقيل وما هو يا رسول الله؟ فقال سرور يوم »

أما قوله: { كَانَ على رَبّكَ وَعْدًا مَسْؤُولًا } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: كلمة ( على ) للوجوب قال عليه السلام: « من نذر وسمى فعليه الوفاء بما سمى » فقوله: { كَانَ على رَبِّكَ } يفيد أن ذلك واجب على الله تعالى ، والواجب هو الذي لو لم يفعل لاستحق تاركه بفعله الذم ، أو أنه الذي يكون عدمه ممتنعًا ، فإن كان الوجوب على التفسير الأول كان تركه محالًا ، لأن تركه لما استلزم استحقاق الذم واستحقاق الله تعالى الذم محال ، ومستلزم المحال محال كان ذلك الترك محالًا والمحال غير مقدور ، فلم يكن الله تعالى قادرًا على أن لا يفعل فيلزم أن يكون ملجأ إلى الفعل ، وإن كان الوجوب على التفسير الثاني وهو أن يقال الواجب ما يكون عدمه ممتنعًا يكون القول بالإلجاء لازمًا ، فلم يكن الله قادرًا ، فإن قيل إنه ثبت بحكم الوعد ، فنقول لو لم يفعل لانقلب خبره الصدق كذبًا وعلمه جهلًا وذلك محال ، والمؤدي إلى المحال محال فالترك محال فيلزم أن يكون ملجأ إلى الفعل والملجأ إلى الفعل لا يكون قادرًا ، ولا يكون مستحقًا للثناء والمدح ، تمام السؤال وجوابه: أن فعل الشيء متقدم على الإخبار عن فعله وعن العلم بفعله ، فيكون ذلك الفعل فعلًا لا على سبيل الإلجاء ، فكان قادرًا ومستحقًا للثناء والمدح .

المسألة الثانية: قوله: { وَعْدًا } يدل على أن الجنة حصلت بحكم الوعد لا بحكم الاستحقاق وقد تقدم تقريره .

المسألة الثالثة: قوله: { مَسْؤُولًا } ذكروا فيه وجوهًا أحدها: أن المكلفين سألوه بقولهم: { رَبَّنَا وآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ } [ آل عمران: 194 ] ، وثانيها: أن المكلفين سألوه بلسان الحال لأنهم لما تحملوا المشقة الشديدة في طاعته كان ذلك قائمًا مقام السؤال ، قال المتنبي:

وفي النفس حاجات وفيك فطانة ... سكوتي كلام عندها وخطاب

وثالثها: الملائكة سألوا الله تعالى ذلك بقولهم: { رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جنات عَدْنٍ } [ غافر: 8 ] ورابعها: { وَعْدًا مَسْؤُولًا } أي واجبًا ، يقال لأعطينك ألفًا وعدًا مسؤولًا أي واجبًا وإن لم تسأل ، قال الفراء . وسائر الوجوه أقرب من هذا لأن سائر الوجوه أقرب إلى الحقيقة ، وما قاله الفراء مجاز وخامسها: مسؤولًا أي من حقه أن يكون مسؤولًا لأنه حق واجب ، إما بحكم الاستحقاق على قول المعتزلة ، أو بحكم الوعد على قول أهل السنة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت