فهرس الكتاب

الصفحة 5428 من 8321

التأويل الثاني: وهو أنه سبحانه وتعالى لما خلق الأرض والسماء وخلق الكواكب والشمس والقمر وقع الظل على الأرض ، ثم إنه سبحانه خلق الشمس دليلًا عليه وذلك لأن بحسب حركات الأضواء تتحرك الأظلال فإنهما متعاقبان متلازمان لا واسطة بينهما فبمقدار ما يزداد أحدهما ينقص الآخر ، وكما أن المهتدي يهتدي بالهادي والدليل ويلازمه ، فكذا الأظلال كأنها مهتدية وملازمة للأضواء فلهذا جعل الشمس دليلًا عليها .

وأما قوله: { ثُمَّ قبضناه إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا } فأما أن يكون المراد منه انتهاء الأظلال يسيرًا يسيرًا إلى غاية نقصاناتها ، فسمى إزالة الأظلال قبضًا لها أو يكون المراد من قبضها يسيرًا قبضها عند قيام الساعة ، وذلك بقبض أسبابها وهي الأجرام التي تلقي الأظلال وقوله: { يَسِيرًا } هو كقوله: { ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ } [ ق: 44 ] فهذا هو التأويل الملخص .

المسألة الرابعة: وجه الاستدلال به على وجود الصانع المحسن أن حصول الظل أمر نافع للأحياء والعقلاء ، وأما حصول الضوء الخالص ، أو الظلمة الخالصة ، فهو ليس من باب المنافع ، فحصول ذلك الظل ، إما أن يكون من الواجبات أو من الجائزات ، والأول باطل وإلا لما تطرق التغير إليه ، لأن الواجب لا يتغير فوجب أن يكون من الجائزات ، فلا بد له في وجوده بعد العدم ، وعدمه بعد الوجود ، من صانع قادر مدبر محسن يقدره بالوجه النافع ، وما ذاك إلا من يقدر على تحريك الأجرام العلوية وتدبير الأجسام الفلكية وترتيبها على الوصف الأحسن والترتيب الأكمل ، وما هو إلا الله سبحانه وتعالى . فإن قيل: الظل عبارة عن عدم الضوء عما شأنه أن يضيء ، فكيف استدل بالأمر العدمي على ذاته ، وكيف عده من النعم؟ قلنا: الظل ليس عدمًا محضًا ، بل هو أضواء مخلوطة بظلم ، والتحقيق أن الظل عبارة عن الضوء الثاني وهو أمر وجودي ، وفي تحقيقه وبسطه كلام دقيق يرجع فيه إلى كتبنا العقلية .

النوع الثاني: قوله تعالى: { وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ اليل لِبَاسًا والنوم سُبَاتًا وَجَعَلَ النهار نُشُورًا } اعلم أنه تعالى شبه الليل من حيث إنه يستر الكل ويغطي باللباس الساتر للبدن ، ونبه على ما لنا فيه من النفع بقوله: { والنوم سُبَاتًا } والسبات هو الراحة وجعل النوم سباتًا لأنه سبب للراحة قال أبو مسلم: السبات الراحة ومنه يوم السبت لما جرت به العادة من الاستراحة فيه ، ويقال للعليل إذا استراح من تعب العلة مسبوت ، وقال صاحب «الكشاف» السبات الموت والمسبوت الميت لأنه مقطوع الحياة قال: وهذا كقوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت