{ وَهُوَ الذى يتوفاكم باليل } [ الأنعام: 60 ] وإنما قلنا إن تفسيره بالموت أولى من تفسيره بالراحة ، لأن النشور في مقابلته يأباه ، قال أبو مسلم: { وجعل النهار نشورًا } هو بمعنى الانتشار والحركة كما سمى تعالى نوم الإنسان وفاة ، فقال: { الله يَتَوَفَّى الانفس حِينَ مِوْتِهَا } [ الزمر: 42 ] والتي لم تمت في منامها كذلك وفق بين القيام من النوم والقيام من الموت في التسمية بالنشور ، وهذه الآية مع دلالتها على قدرة الخالق فيها إظهار لنعمه على خلقه ، لأن الاحتجاب بستر الليل كم فيه لكثير من الناس من فوائد دينية ودنيوية ، والنوم واليقظة شبههما بالموت والحياة ، وعن لقمان أنه قال لابنه: كما تنام فتوقظ ، كذلك تموت فتنشر .
النوع الثالث: قوله: { وَهُوَ الذى أَرْسَلَ الرياح بُشْرًاَ بَيْنَ يَدَيْهِ رَحْمَتِهِ } وقد تقدم تفسيره في سورة الأعراف ، ثم فيه مسائل:
المسألة الأولى: قرىء ( الريح ) و ( الرياح ) ، قال الزجاج: وفي ( نشرًا ) خمسة أوجه بفتح النون وبضمها وبضم النون والشين وبالباء الموحدة مع ألف والمؤنث وبشرًا بالتنوين ، قال أبو مسلم في قرأ ( بشرًا ) أراد جمع بشير مثل قوله تعالى: { وَمِنْ ءاياته أَن يُرْسِلَ الرياح مبشرات } [ الروم: 46 ] وأما بالنون فهو في معنى قوله: { والناشرات نَشْرًا } [ المرسلات: 3 ] وهي الرياح ، والرحمة الغيث والماء والمطر .
المسألة الثانية: قوله: { وَأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاء طَهُورًا } نص في أنه تعالى ينزل الماء من السماء ، لا من السحاب . وقول من يقول السحاب سماء ضعيف لأن ذاك بحسب الاشتقاق ، وأما بحسب وضع اللغة فالسماء اسم لهذا السقف المعلوم فصرفه عنه ترك للظاهر .
المسألة الثالثة: اختلفوا في أن الطهور ما هو؟ قال كثير من العلماء الطهور ما يتطهر به كالفطور ما يفطر به ، والسحور ما يتسحر به وهو مروي أيضًا عن ثعلب ، وأنكر صاحب «الكشاف» ذلك ، وقال ليس فعول من التفعيل في شيء والطهور على وجهين في العربية: صفة واسم غير صفة فالصفة قولك: ماء طهور كقولك طاهر ، والاسم قولك طهور لما يتطهر به كالوضوء والوقود لما يتوضأ به ويوقد به النار . حجة القول الأول قوله عليه السلام:"التراب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج"ولو كان معنى الطهور الطاهر لكان معناه التراب طاهر للمسلم وحينئذ لا ينتظم الكلام ، وكذا قوله عليه السلام:"طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبعًا"ولو كان الطهور الطاهر لكان معناه طاهر إناء أحدكم وحينئذ لا ينتظم الكلام ، ولأنه تعالى قال: { وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم مّن السماء مَاء لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ } [ الأنفال: 11 ] فبين أن المقصود من الماء إنما هو التطهر به فوجب أن يكون المراد من كونه طهورًا أنه هو المطهر به لأنه تعالى ذكره في معرض الإنعام ، فوجب حمله على الوصف الأكمل ولا شك أن المطهر أكمل من الطاهر .