فهرس الكتاب

الصفحة 5591 من 8321

أما قوله: { لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أتاهم مّن نَّذِيرٍ مّن قَبْلِكَ } فالإنذار هو التخويف بالعقاب على المعصية . واعلم أنه تعالى لما بين قصة موسى عليه السلام قال لرسوله: { وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغربى . . . وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِى أَهْلِ مَدْيَنَ . . . وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطور } فجمع تعالى بين كل ذلك لأن هذه الأحوال الثلاثة هي الأحوال العظيمة التي اتفقت لموسى عليه السلام إذ المراد بقوله: { إِذْ قَضَيْنَا إلى مُوسَى الأمر } إنزال التوراة حتى تكامل دينه واستقر شرعه والمراد بقوله: { وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا } أول أمره والمراد ناديناه وسط أمره وهو ليلة المناجاة ، ولما بين تعالى أنه عليه السلام لم يكن في هذه الأحوال حاضرًا بين تعالى أنه بعثه وعرفه هذه الأحوال رحمة للعالمين ثم فسر تلك الرحمة بأن قال: { لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أتاهم مّن نَّذِيرٍ مّن قَبْلِكَ } واختلفوا فيه فقال بعضهم لم يبعث إليهم نذير منهم: وقال بعضهم: حجة الأنبياء كانت قائمة عليهم ولكنه ما بعث إليهم من يجد تلك الحجة عليهم ، وقال بعضهم لا يبعد وقوع الفترة في التكاليف فبعثه الله تعالى تقريرًا للتكاليف وإزالة لتلك الفترة .

أما قوله: { وَلَوْلا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ } الآية فقال صاحب «الكشاف» : ( لولا ) الأولى امتناعية وجوابها محذوف ، والثانية تحضيضية ، والفاء في قوله { فَيَقُولُواْ } للعطف ، ( وفي قوله للعطف ) . وفي قوله: { فَنَتَّبِعَ } جواب ( لولا ) لكونها في حكم الأمر من قبل أن الأمر باعث على الفعل ، والباعث والمحضض من واد واحد ، والمعنى لولا أنهم قائلون إذا عوقبوا بما قدموا من الشرك والمعاصي: هلا أرسلت إلينا رسولًا ، محتجين علينا بذلك لما أرسلنا إليهم ، يعني إنما أرسلنا الرسول إزالة لهذا العذر وهو كقوله: { لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل } [ النساء: 165 ] { أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ } [ المائدة: 19 ] { لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ ءاياتك } واعلم أنه تعالى لم يقل ولولا أن يقولوا هذا العذر لما أرسلنا ، بل قال: { وَلَوْلا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ فَيَقُولُواْ } هذا العدو لما أرسلنا وإنما قال ذلك لنكتة وهي أنهم لو لم يعاقبوا مثلًا وقد عرفوا بطلان دينهم لما قالوا ذلك ، بل إنما يقولون ذلك إذا نالهم العقاب فيدل ذلك على أنهم لم يذكروا هذا العذر تأسفًا على كفرهم ، بل لأنهم ما أطاقوا وفيه تنبيه على استحكام كفرهم ورسوخه فيهم كقوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت