[ المائدة: 12 ] إلى قوله: { ولأَدْخِلَنَّكُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار } [ المائدة: 12 ] فمن وفى لله بعهده وفى الله له بعهده ، وثالثها: وهو قول جمهور المفسرين أن المراد أوفوا بما أمرتكم به من الطاعات ونهيتكم عنه من المعاصي أوف بعهدكم ، أي أرضى عنكم وأدخلكم الجنة وهو الذي حكاه الضحاك عن ابن عباس وتحقيقه ما جاء في قوله تعالى: { إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وأموالهم بِأَنَّ لَهُمُ الجنة } [ التوبة: 111 ] إلى قوله تعالى: { وَمَنْ أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ الله فاستبشروا بِبَيْعِكُمُ الذى بَايَعْتُمْ بِهِ } [ التوبة: 111 ] .
القول الثاني: أن المراد من هذا العهد ما أثبته في الكتب المتقدمة من وصف محمد A وأنه سيبعثه على ما صرح بذلك في سورة المائدة بقوله: { وَلَقَدْ أَخَذَ الله ميثاق بَنِى إسراءيل } [ المائدة: 12 ] إلى قوله: { لأكَفّرَنَّ عَنْكُمْ سيئاتكم وَلاَدْخِلَنَّكُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار } [ المائدة: 12 ] وقال في سورة الأعراف: { ورحمتي وسعت كل شىء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول الأمي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل } [ الأعراف: 156- 157 ] وأما عهد الله معهم فهو أن ينجز لهم ما وعدهم من وضع ما كان عليهم من الإصر والأغلال التي كانت في أعناقهم ، وقال: { وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين لَمَا ءاتَيْتُكُم مّن كتاب وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ } [ آل عمران: 81 ] الآية . وقال: { وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ يابنى إسراءيل أَنّى رَسُولُ الله إِلَيْكُم مُّصَدّقًا لّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التوراة وَمُبَشّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِى مِن بَعْدِى اسمه أَحْمَدُ } [ الصف: 6 ] . وقال ابن عباس: إن الله تعالى كان عهد إلى بني إسرائيل في التوراة أني باعث من بني إسماعيل نبيًا أميًا فمن تبعه وصدق بالنور الذي يأتي به أي بالقرآن غفرت له ذنبه وأدخلته الجنة وجعلت له أجرين ، أجرًا باتباع ما جاء به موسى وجاءت به سائر أنبياء بني إسرائيل ، وأجرًا باتباع ما جاء به محمد النبي الأمي من ولد إسماعيل وتصديق هذا في قوله تعالى: { الذين ءاتيناهم الكتاب مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ } [ القصص: 52 ] إلى قوله: { أُوْلَئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ } [ القصص: 54 ] وكان علي بن عيسى يقول تصديق ذلك في قوله تعالى: { ياأيها الذين ءامَنُواْ اتقوا الله وَءامِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ } [ الحديد: 28 ] وتصديقه أيضًا فيما روى أبو موسى الأشعري عن النبي A أنه قال: « ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل من أهل الكتاب آمن بعيسى ثم آمن بمحمد A فله أجران ، ورجل أدب أمته فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران ، ورجل أطاع الله وأطاع سيده فله أجران » بقي ههنا سؤالان:
السؤال الأول: لو كان الأمر كما قلتم فكيف يجوز من جماعتهم جحده؟ والجواب من وجهين: الأول: أن هذا العلم كان حاصلًا عند العلماء بكتبهم لكن لم يكن لهم العدد الكثير فجاز منهم كتمانه . الثاني: أن ذلك النص كان نصًا خفيًا لا جليًا فجاز وقوع الشكوك والشبهات فيه .