فهرس الكتاب

الصفحة 561 من 8321

السؤال الثاني: الشخص المبشر به في هذه الكتب إما أن يكون قد ذكر في هذه الكتب وقت خروجه ومكان خروجه وسائر التفاصيل المتعلقة بذلك أو لم يذكر شيء من ذلك ، فإن كان ذلك النص نصًا جليًا واردًا في كتب منقولة إلى أهل العلم بالتواتر فكان يمتنع قدرتهم على الكتمان وكان يلزم أن يكون ذلك معلومًا بالضرورة من دين الأنبياء المتقدمين . وإن كان الثاني لم يدل ذلك النص على نبوة محمد A لاحتمال أن يقولوا: إن ذلك المبشر به سيجيء بعد ذلك على ما هو قول جمهور اليهود . والجواب أن الذين حملوا قوله تعالى: { وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } على الأمر بالتأمل في الدلائل الدالة على التوحيد والنبوة على ما شرحناه في القول الأول إنما اختاروه لقوة هذا السؤال ، فأما من أراد أن ينصر القول الثاني فإنه يجيب عنه بأن تعيين الزمان والمكان لم يكن منصوصًا عليه نصًا جليًا يعرفه كل أحد بل كان منصوصًا عليه نصًا خفيًا فلا جرم لم يلزم أن يعلم ذلك بالضرورة من دين الأنبياء المتقدمين عليهم السلام ولنذكر الآن بعض ما جاء في كتب الأنبياء المتقدمين من البشارة بمقدم محمد A ، فالأول: جاء في الفصل التاسع من السفر الأول من التوراة أن هاجر لما غضبت عليها سارة تراءى لها ملك ( من قبل ) الله فقال لها يا هاجر أين تريدين ومن أين أقبلت؟ قالت: أهرب من سيدتي سارة فقال لها: ارجعي إلى سيدتك واخفضي لها فإن الله سيكثر زرعك وذريتك وستحبلين وتلدين ابنًا وتسمينه إسماعيل من أجل أن الله سمع تبتلك وخشوعك وهو يكون عين الناس وتكون يده فوق الجميع ويد الجميع مبسوطة إليه بالخضوع وهو يشكر على رغم جميع إخوته .

واعلم أن الاستدلال بهذا الكلام أن هذا الكلام خرج مخرج البشارة وليس يجوز أن يبشر الملك من قبل الله بالظلم والجور وبأمر لا يتم إلا بالكذب على الله تعالى ومعلوم أن إسماعيل وولده لم يكونوا متصرفين في الكل أعني في معظم الدنيا ومعظم الأمم ولا كانوا مخالطين للكل على سبيل الاستيلاء إلا بالإسلام لأنهم كانوا قبل الإسلام محصورين في البادية لا يتجاسرون على الدخول في أوائل العراق وأوائل الشام إلا على أتم خوف ، فلما جاء الإسلام استولوا على الشرق والغرب بالإسلام ومازجو الأمم ووطئوا بلادهم ومازجتهم الأمم وحجوا بيتهم ودخلوا باديتهم بسبب مجاورة الكعبة ، فلو لم يكن النبي A صادقًا لكانت هذه المخالطة منهم للأمم ومن الأمم لهم معصية لله تعالى وخروجًا عن طاعته إلى طاعة الشيطان والله يتعالى عن أن يبشر بما هذا سبيله . والثاني: جاء في الفصل الحادي عشر من السفر الخامس: «إن الرب إلهكم يقيم لكم نبيًا مثلي من بينكم ومن إخوانكم» ، وفي هذا الفصل أن الرب تعالى قال لموسى: «إني مقيم لهم نبيًا مثلك من بين إخوانهم وأيما رجل لم يسمع كلماتي التي يؤديها عني ذلك الرجل باسمي أنا أنتقم منه» . وهذا الكلام يدل على أن النبي الذي يقيمه الله تعالى ليس من بني إسرائيل كما أن من قال لبني هاشم: إنه سيكون من إخوانكم إمام ، عقل أنه لا يكون من بني هاشم ، ثم إن يعقوب عليه السلام هو إسرائيل ولم يكن له أخ إلا العيص ولم يكن للعيص ولد من الأنبياء سوى أيوب وإنه كان قبل موسى عليه السلام فلا يجوز أن يكون موسى عليه السلام مبشرًا به ، وأما اسماعيل فإنه كان أخًا لإسحق والد يعقوب ثم إن كل نبي بعث بعد موسى كان من بني إسرائيل ، فالنبي عليه السلام ما كان منهم لكنه كان من إخوانهم لأنه من ولد إسماعيل الذي هو أخو إسحق عليهم السلام . فإن قيل قوله: «من بينكم» يمنع من أن يكون المراد محمدًا A لأنه لم يقم من بين بني إسرائيل . قلنا: بل قد قام من بينهم لأنه عليه السلام ظهر بالحجاز فبعث بمكة وهاجر إلى المدينة وبها تكامل أمره . وقد كان حول المدينة بلاد اليهود كخيبر وبني قينقاع والنضير وغيرهم ، وأيضًا فإن الحجاز يقارب الشام وجمهور اليهود كانوا إذ ذاك بالشام ، فإذا قام محمد بالحجاز فقد قام من بينهم ، وأيضًا فإنه إذا كان من إخوانهم فقد قام من بينهم فإنه ليس ببعيد منهم . والثالث: قال في الفصل العشرين من هذا السفر: «إن الرب تعالى جاء في طور سيناء وطلع لنا من ساعير وظهر من جبال فاران وصف عن يمينه عنوان القديسين فمنحهم العز وحببهم إلى الشعوب ودعا لجميع قديسيه بالبركة ، وجه الاستدلال: أن جبل فاران هو بالحجاز لأن في التوراة أن اسماعيل تعلم الرمي في برية فاران ، ومعلوم أنه إنما سكن بمكة . إذا ثبت هذا فنقول: إن قوله: «فمنحهم العز» لا يجوز أن يكون المراد إسماعيل عليه السلام لأنه لم يحصل عقيب سكنى إسماعيل عليه السلام هناك عز ولا اجتمع هناك ربوات القديسين فوجب حمله على محمد عليه السلام . قالت اليهود: المراد أن النار لما ظهرت من طور سيناء ظهرت من ساعير نار أيضًا ومن جبل فاران أيضًا فانتشرت في هذه المواضع قلنا هذا لا يصح لأن الله تعالى لو خلق نارًا في موضع فإنه لا يقال جاء الله من ذلك إذا تابع ذلك الواقعة وحي نزل في ذلك الموضع أو عقوبة وما أشبه ذلك . وعندكم أنه لم يتبع ظهور النار وحي ولا كلام إلا من طور سيناء فما كان ينبغي إلا أن يقال ظهر من ساعير ومن جبل فاران فلا يجوز وروده كما لا يقال جاء الله من الغمام إذا ظهر في الغمام احتراق ونيران كما يتفق ذلك في أيام الربيع ، وأيضًا ففي كتاب حقوق بيان ما قلنا وهو جاء الله من طور سيناء والقدس من جبل فاران ، وانكشفت السماء من بهاء محمد وامتلأت الأرض من حمده . يكون شعاع منظره مثل النور يحفظ بلده بعزه تسير المنايا أمامه ويصحب سباع الطير أجناده قام فمسح الأرض وتأمل الأمم وبحث عنها فتضعضعت الجبال القديمة واتضعت الروابي والدهرية ، وتزعزعت ستور أهل مدين ركبت الخيول ، وعلوت مراكب الانقياد والغوث وستنزع في قسيك إغراقًا ونزعًا وترتوي السهام بأمرك يا محمد ارتواء وتخور الأرض بالأنهار ، ولقد رأتك الجبال فارتاعت وانحرف عنك شؤبوب السيل ونفرت المهاري نفيرًا ورعبًا ورفعت أيديها وجلًا وفرقًا وتوقفت الشمس والقمر عن مجراهما وسارت العساكر في برق سهامك ولمعان بيانك تدوخ الأرض غضبًا وتدوس الأمم زجرًا لأنك ظهرت بخلاص أمتك وإنقاذ تراب آبائك» . هكذا نقل عن ابن رزين الطبري . أما النصارى فقال أبو الحسين C في كتاب الغرر قد رأيت في نقولهم: «وظهر من جبال فاران لقد تقطعت السماء من بهاء محمد المحمود وترتوى السهام بأمرك المحمود لأنك ظهرت بخلاص أمتك وإنقاذ مسيحك» ، فظهر بما ذكرنا أن قوله تعالى في التوراة: «ظهر الرب من جبال فاران» ليس معناه ظهور النار منه بل معناه ظهور شخص موصوف بهذه الصفات وما ذاك إلا رسولنا محمد A . فإن قالوا المراد مجيء الله تعالى ولهذا قال في آخر الكلام: «وإنقاذ مسيحك» قلنا لا يجوز وصف الله تعالى بأنه يركب الخيول وبأن شعاع منظره مثل النور وبأنه جاز المشاعر القديمة ، أما قوله: ( وإنقاذ مسيحك ) فإن محمدًا عليه السلام أنقذ المسيح من كذب اليهود والنصارى . والرابع: ما جاء في كتاب أشعياء في الفصل الثاني والعشرين منه: «قومي فأزهري مصباحك ، يريد مكة ، فقد دناوقتك وكرامة الله تعالى طالعة عليك فقد تجلل الأرض الظلام وغطى على الأمم الضباب والرب يشرق عليك إشراقًا ويظهر كرامته عليك تسير الأمم إلى نورك والملوك إلى ضوء طلوعك وارفعي بصرك إلى ما حولك وتأملي فإنهم مستجمعون عندك ويحجونك ويأتيك ولدك من بلد بعيد لأنك أم القرى فأولاد سائر البلاد كأنهم أولاد مكة وتتزين ثيابك على الأرائك والسرر حين ترين ذلك تسرين وتبتهجين من أجل أنه يميل إليك ذخائر البحر ويحج إليك عساكر الأمم ويساق إليك كباش مدين ويأتيك أهل سبأ ويتحدثون بنعم الله ويمجدونه وتسير إليك أغنام فاران ويرفع إلى مذبحي ما يرضيني وأحدث حينئذ لبيت محمدتي حمدًا» . فوجه الاستدلال أن هذه الصفات كلها موجودة لمكة فإنه قد حج إليها عساكر الأمم ومال إليها ذخائر البحر وقوله: «وأحدث لبيت محمدتي حمدًا» معناه أن العرب كانت تلبي قبل الإسلام فتقول لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك ، ثم صار في الإسلام: لبيك اللهم لبيك ، لا شريك لك لبيك ، فهذا هو الحمد الذي جدده الله لبيت محمدته . فإن قيل المراد: بذلك بيت المقدس وسيكون ذلك فيما بعد . قلنا لا يجوز أن يقول الحكيم: «قد دنا وقتك» مع أنه ما دنا بل الذي دنا أمر لا يوافق رضاه ومع ذلك لا يحذر منه وأيضًا فإن كتاب أشعياء مملوء من ذكر البادية وصفتها ، وذلك يبطل قولهم . والخامس: روى السمان في تفسيره في السفر الأول من التوراة أن الله تعالى أوحى إلى إبراهيم عليه السلام قال: «قد أجبت دعاك في إسماعيل وباركت عليه فكبرته وعظمته جدًا جدًا وسيلد اثني عشر عظيمًا وأجعله لأمة عظيمة» والاستدلال به أنه لم يكن في ولد إسماعيل من كان لأمة عظيمة غير نبينا محمد A فأما دعاء إبراهيم عليه السلام وإسماعيل فكان لرسولنا E لما فرغا من بناء الكعبة وهو قوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت