ثم قال تعالى: { فَأَنْجَاهُ الله مِنَ النار } اختلف العقلاء في كيفية الإنجاء ، بعضهم قال برد النار وهو الأصح الموافق لقوله تعالى: { يانار كُونِى بَرْدًا } [ الأنبياء: 69 ] وبعضهم قال خلق في إبراهيم كيفية استبرد معها النار وقال بعضهم ترك إبراهيم على ما هو عليه والنار على ما كانت عليه ومنع أذى النار عنه ، والكل ممكن والله قادر عليه ، وأنكر بعض الأطباء الكل ، أما سلب الحرارة عن النار ، قالوا الحرارة في النار ذاتية كالزوجية في الأربعة لا يمكن أن تفارقها ، وأما خلق كيفية تستبرد النار فلأن المزاج الإنساني له طرفا تفريط وإفراط ، فلو خرج عنهما لا يبقى إنسانًا أو لا يعيش . مثلا المزاج إن كان البارد فيه عشرة أجزاء يكون إنسانًا فإن صار أحد عشر لا يكون إنسانًا وإن صارت الأجزاء الباردة خمسة يبقى إنسانًا فإذا صارت أربعة لا يبقى إنسانًا لكن البرودة التي يستبرد معها النار مزاج السمندل فلو حصل في الإنسان لمات أو لكان ذلك فإن النفس تابعة للمزاج ، وأما الثالث فمحال أن تكون القطنة في النار والنار كما هي ، والقطنة كما هي ولا تحترق ، فنقول الآية رد عليهم والعقل موافق للنقل ، أما الأول فلوجهين أحدهما: أن الحرارة في النار تقبل الاشتداد والضعف ، فإن النار في الفحم إذا نفخ فيه يشتد حتى يذيب الحديد وإن لم ينفخ لا يشتد لكن الضعف هو عدم بعض من الحرارة التي كانت في النار ، فإذا أمكن عدم البعض جاز عدم بعض آخر من ذلك عليها إلى أن ينتهي إلى حد لا يؤذي الإنسان ، ولا كذلك الزوجية فإنها لا تشتد ولا تضعف والثاني: وهو أن في أصول الطب ذكر أن النار لها كيفية حارة كما أن الماء له كيفية باردة لكن رأينا أن الماء تزول عنه البرودة وهو ماء فكذلك النار تزول عنها الحرارة وتبقى نارًا وهو نور غير محرق ، وأما الثاني فأيضًا ممكن وقولهم مدفوع من وجهين أحدهما: منع أصلهم من كون النفس تابعة للمزاج بل الله قادر على أن يخلق النفس الإنسانية في المزاج الذي مثل مزاج الجمد وثانيهما: أن نقول على أصلكم لا يلزم المحال لأن الكيفية التي ذكرناها تكون في ظاهر كالأجزاء الرشية عليه ولا يتأدى إلى القلب والأعضاء الرئيسة ، ألا ترى أن الإنسان إذا مس الجمد زمانًا ثم مس جمرة نار لا تؤثر النار في إحراق يده مثل ما تؤثر في إحراق يد من أخرج يده من جيبه ، ولهذا تحترق يده قبل يد هذا . فإذا جاز وجود كيفية في ظاهر جلد الإنسان تمنع تأثير النار فيه بالإحراق زمانًا فيجوز أن تتجدد تلك الكيفية لحظة فلحظة حتى لا تحترق ، وأما الثالث: فمجرد استبعاد بيان عدم الاعتياد ونحن نسلم أن ذلك غير معتاد لأنه معجز والمعجز ينبغي أن يكون خارقًا للعادة .