ثم قال تعالى: { إِنَّ فِى ذلك لأيات لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } يعني في إنجائه من النار لآيات ، وهنا مسائل:
المسألة الأولى: قال في إنجاء نوح وأصحاب السفينة { جعلناها ءايَةً } [ العنكبوت: 15 ] وقال ههنا { لآيَاتٍ } بالجمع لأن الإنجاء بالسفينة شيء تتسع له العقول فلم يكن فيه من الآية إلا بسبب إعلام الله إياه بالاتخاذ وقت الحاجة ، فإنه لولاه لما اتخذه لعدم حصول علمه بما في الغيب ، وبسبب أن الله صان السفينة عن المهلكات كالرياح العاصفة ، وأما الإنجاء من النار فعجيب فقال فيه آيات .
المسألة الثانية: قال هناك { آية للعالمين } [ العنكبوت: 15 ] وقال ههنا { لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } خص الآيات بالمؤمنين لأن السفينة بقيت أعوامًا حتى مر عليها الناس ورأوها فحصل العلم بها لكل أحد ، وأما تبريد النار ( فإنه ) لم يبق فلم يظهر لمن يعده إلا بطريق الإيمان به والتصديق ، وفيه لطيفة: وهي أن الله لما برد النار على إبراهيم بسبب اهتدائه في نفسه وهدايته لأبناء جنسه ، وقد قال الله للمؤمنين بأن لهم أسوة حسنة في إبراهيم ، فحصل للمؤمنين بشارة بأن الله يبرد عليهم النار يوم القيامة ، فقال إن في ذلك التبريد لآيات لقوم يؤمنون .
المسألة الثالثة: قال هناك { جعلناها } وقال ههنا { جعلناه } لأن السفينة ما صارت آية في نفسها ولولا خلق الله الطوفان لبقي فعل نوح سفها ، فالله تعالى جعل السفينة بعد وجودها آية ، وأما تبريد النار فهو في نفسه آية إذا وجدت لا تحتاج إلى أمر آخر كخلق الطوفان حتى يصير آية .