ثم إن الصلوات متكررة واحدة بعد واحدة فيدوم هذا اللبس فيدوم الامتناع الثالث: من يكون أمير نفسه يجلس حيث يريد فإذا دخل في خدمة ملك وأعطاه منصبًا له مقام خاص لا يجلس صاحب ذلك المنصب إلا في ذلك الموضع ، فلو أراد أن يجلس في صف النعال لا يترك فكذلك العبد إذا صلى دخل في طاعة الله ولم يبق بحكم نفسه وصار له مقام معين ، إذ صار من أصحاب اليمين ، فلو أراد أن يقف في غير موضعه وهو موقف أصحاب الشمال لا يترك ، لكن مرتكب الفحشاء والمنكر من أصحاب الشمال وهذا الوجه إشارة إلى عصمة الله يعني من صلى عصمه الله عن الفحشاء والمنكر الرابع: وهو موافق لما وردت به الأخبار وهو أن من يكون بعيدًا عن الملك كالسوقي والمنادي والمتعيش لا يبالي بما فعل من الأفعال يأكل في دكان الهراس والرواس ويجلس مع أحباش الناس ، فإذا صارت له قربة يسيرة من الملك كما إذا صار واحدًا من الجندارية والقواد والسواس عند الملك لا تمنعه تلك القربة من تعاطي ما كان يفعله ، فإذا زادت قربته وارتفعت منزلته حتى صار أميرًا حينئذ تمنعه هذه المنزلة عن الأكل في ذلك المكان والجلوس مع أولئك الخلان ، كذلك العبد إذا صلى وسجد صار له قربة ما لقوله تعالى: { واسجد واقترب } [ العلق: 19 ] فإذا كان ذلك القدر من القربة يمنعه من المعاصي والمناهي ، فبتكرر الصلاة والسجود تزداد مكانته ، حتى يرى على نفسه من آثار الكرامة ما يستقذر معه من نفسه الصغائر فضلًا عن الكبائر ، وفي الآية وجه آخر معقول يؤكده المنقول وهو أن المراد من قوله: { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } هو أنها تنهى عن التعطيل والإشراك ، والتعطيل هو إنكار وجود الله ، والإشراك إثبات ألوهية لغير الله . فنقول التعطيل عقيدة فحشاء لأن الفاحش هو القبيح الظاهر القبح ، لكن وجود الله أظهر من الشمس وما من شيء إلا وفيه آية على الله ظاهرة وإنكار الظاهر ظاهر الإنكار ، فالقول بأن لا إله قبيح والإشراك منكر ، وذلك لأن الله تعالى لما أطلق اسم المنكر على من نسب نفسًا إلى غير الوالد مع جواز أن يكون له ولد حيث قال: { إِنْ أمهاتهم إِلاَّ اللائى وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مّنَ القول } [ المجادلة: 2 ] فالمشرك الذي يقول الملائكة بنات الله وينسب إلى من لم يلد ، ولا يجوز أن يكون له ولد ، ولدًا كيف لا يكون قوله منكرًا؟ فالصلاة تنهى عن هذه الفحشاء ، وهذا المنكر وذلك لأن العبد أول ما يشرع في الصلاة يقول الله أكبر ، فبقوله الله ينفي التعطيل وبقوله أكبر ينفي التشريك لأن الشريك لا يكون أكبر من الشريك الآخر فيما فيه الاشتراك ، فإذا قال { بسم الله } نفى التعطيل ، وإذا قال { الرحمن الرحيم } نفى الإشراك ، لأن الرحمن من يعطي الوجود بالخلق بالرحمة ، والرحيم من يعطي البقاء بالرزق بالرحمة ، فإذا قال { الحمد لله رب العالمين } ، أثبت بقوله { الحمد لله } خلاف التعطيل وبقوله: { رَبّ العالمين } خلاف الإشراك ، فإذا قال: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } بتقديم إياك نفى التعطيل والإشراك وكذا بقوله: { وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } فإذا قال: { اهدنا الصراط } نفى التعطيل لأن طالب الصراط له مقصد والمعطل لا مقصد له ، وبقوله: { المستقيم } نفى الإشراك لأن المستقيم هو الأقرب والمشرك يعبد الأصنام حتى يعبد صورة صورها إله العالمين ، ويظنون أنهم يشفعون لهم وعبادة الله من غير واسطة أقرب ، وعلى هذا إلى آخر الصلاة يقول فيها أشهد أن لا إله إلا الله فينفي الإشراك والتعطيل ، وههنا لطيفة وهي أن الصلاة أولها لفظة الله وآخرها لفظة الله في قوله: أشهد أن لا إله إلا الله ليعلم المصلي أنه من أول الصلاة إلى آخرها مع الله ، فإن قال قائل فقد بقي من الصلاة قوله وأشهد أن محمدًا رسول الله والصلاة على الرسول والتسليم ، فنقول هذه الأشياء في آخرها دخلت لمعنى خارج عن ذات الصلاة ، وذلك لأن الصلاة ذكر الله لا غير ، لكن العبد إذا وصل بالصلاة إلى الله وحصل مع الله لا يقع في قلبه أنه استقل واستبد واستغنى عن الرسول ، كمن تقرب من السلطان فيغتر بذلك ولا يلتفت إلى النواب والحجاب ، فقال أنت في هذه المنزلة الرفيعة بهداية محمد A وغير مستغن عنه فقل مع ذكرى محمد رسول الله ، ثم إذا علمت أن هذا كله ببركة هدايته فاذكر إحسانه بالصلاة عليه ، ثم إذا رجعت من معراجك وانتهيت إلى إخوانك فسلم عليهم وبلغهم سلامي كما هو ترتيب المسافرين ، واعلم أن هيئة الصلاة هيئة فيها هيبة فإن أولها وقوف بين يدي الله كوقوف المملوك بين يدي السلطان ، ثم إن آخرها جثو بين يدي الله كما يجثو بين يدي السلطان من أكرمه بالإجلاس ، كأن العبد لما وقف وأثنى على الله أكرمه الله وأجلسه فجثا ، وفي هذا الجثو لطيفة وهي أن من جثا في الدنيا بين يدي ربه هذا الجثو لا يكون له جثو في الآخرة ، ولا يكون من الذين قال الله في حقهم