فهرس الكتاب

الصفحة 595 من 8321

{ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا } [ الأعراف: 129 ] . وقال موسى لفرعون: { وتلك نعمة تمنها على أن عبدت بني اسرائيل } [ الشعراء: 22 ] واعلم أن كون الإنسان تحت يد الغير بحيث يتصرف فيه كما يشاء لا سيما إذا استعمله في الأعمال الشاقة الصعبة القذرة ، فإن ذلك يكون من أشد أنواع العذاب ، حتى أن من هذه حالته ربما تمنى الموت فبين الله تعالى عظيم نعمه عليهم بأن نجاهم من ذلك ، ثم إنه تعالى أتبع ذلك بنعمة أخرى أعظم منها ، فقال: { يُذَبّحُونَ أَبْنَاءكُمْ } ومعناه يقتلون الذكورة من الأولاد دون الإناث . وههنا أبحاث .

البحث الأول: أن ذبح الذكور دون الإناث مضرة من وجوه ، أحدها: أن ذبح الأبناء يقتضي فناء الرجال ، وذلك يقتضي انقطاع النسل ، لأن النساء إذا انفردن فلا تأثير لهن ألبتة في ذلك ، وذلك يقضي آخر الآمر إلى هلاك الرجال والنساء ، وثانيها: أن هلاك الرجال يقتضي فساد مصالح النساء في أمر المعيشة ، فإن المرأة لتتمنى وقد انقطع عنها تعهد الرجال وقيامهم بأمرها الموت ، لما قد يقع إليها من نكد العيش بالانفراد فصارت هذه الخصلة عظيمة في المحن ، والنجاة منها في العظم تكون بحسبها ، وثالثها: أن قتل الولد عقيب الحمل الطويل وتحمل الكد والرجاء القوي في الانتفاع بالمولود من أعظم العذاب ، لأن قتله والحالة هذه أشد من قتل من بقي المدة الطويلة مستمتعًا به مسرورًا بأحواله ، فنعمة الله من التخليص لهم من ذلك بحسب شدة المحنة فيه ، ورابعها: أن الأبناء أحب إلى الوالدين من البنات ، ولذلك فإن أكثر الناس يستثقلون البنات ويكرهونهن وإن كثر ذكرانهم ، ولذلك قال تعالى: { وَإِذَا بُشّرَ أَحَدُهُمْ بالأنثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّا وَهُوَ كَظِيمٌ يتوارى مِنَ القوم مِن سُوء مَا بُشّرَ بِهِ } [ النحل: 58 ] الآية ، ولذلك نهى العرب عن الوأد بقوله: { وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إملاق } [ الإسراء: 31 ] وإنما كانوا يئدون الإناث دون الذكور ، وخامسها: أن بقاء النسوان بدون الذكران يوجب صيرورتهن مستفرشات الأعداء وذلك نهاية الذل والهوان .

البحث الثاني: ذكر في هذه السورة { يُذَبّحُونَ } بلا واو وفي سورة إبراهيم ذكره مع الواو ، والوجه فيه أنه إذا جعل قوله: { يَسُومُونَكُمْ سُوء العذاب } مفسرًا بقوله: { يُذَبّحُونَ أَبْنَاءكُمْ } لم يحتج إلى الواو ، وأما إذا جعل قوله: { يَسُومُونَكُمْ سُوء العذاب } مفسرًا بسائر التكاليف الشاقة سوى الذبح وجعل الذبح شيئًا آخر سوى سوء العذاب ، احتيج فيه إلى الواو ، وفي الموضعين يحتمل الوجهين ، إلا أن الفائدة التي يجوز أن تكون هي المقصودة من ذكر حرف العطف في سورة إبراهيم أن يقال: إنه تعالى قال قبل تلك الآية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت