{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بئاياتنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظلمات إِلَى النور وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله } [ إبراهيم: 5 ] والتذكير بأيام الله لا يحصل إلا بتعديد نعم الله تعالى ، فوجب أن يكون المراد من قوله: { يَسُومُونَكُمْ سُوء العذاب } نوعًا من العذاب ، والمراد من قوله: { وَيُذَبّحُونَ أَبْنَاءكُمْ } نوعًا آخر ليكون التخلص منهما نوعين من النعمة . فلهذا وجب ذكر العطف هناك ، وأما في هذه الآية لم يرد الأمر إلا بتذكير جنس النعمة وهي قوله: { اذكروا نِعْمَتِيَ التى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } [ البقرة: 40 ، 47 ، 122 ] فسواء كان المراد من سوء العذاب هو الذبح أو غيره كان تذكير جنس النعمة حاصلًا فظهر الفرق .
البحث الثالث: قال بعضهم: أراد بقوله: { يُذَبّحُونَ أَبْنَاءكُمْ } الرجال دون الأطفال ليكون في مقابلة النساء إذ النساء هن البالغات ، وكذا المراد من الأبناء هم الرجال البالغون ، قالوا: إنه كان يأمر بقتل الرجال الذين يخاف منهم الخروج عليه والتجمع لإفساد أمره . وأكثر المفسرين على أن المراد بالآية الأطفال دون البالغين ، وهذا هو الأولى لوجوه: الأول: حملًا للفظ الأبناء على ظاهره . الثاني: أنه كان يتعذر قتل جميع الرجال على كثرتهم . الثالث: أنهم كانوا محتاجين إليهم في استعمالهم في الصنائع الشاقة . الرابع: أنه لو كان كذلك لم يكن لإلقاء موسى عليه السلام في التابوت حال صغره معنى ، أما قوله وجب حمله على الرجال ليكون في مقابلة النساء ففيه جوابان: الأول: أن الأبناء لما قتلوا حال الطفولية لم يصيروا رجالًا ، فلم يجز إطلاق اسم الرجال عليهم ، أما البنات لما لم يقتلن بل وصلن إلى حد النساء جاز إطلاق اسم النساء عليهن . الثاني: قال بعضهم: المراد بقوله: { وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ } ، أي يفتشون حياء المرأة أي فرجها هل بها حمل أم لا ، وأبطل ذلك بأن ما في بطونهن إذا لم يكن للعيون ظاهرًا لم يعلم بالتفتيش ولم يوصل إلى استخراجه باليد .
البحث الرابع: في سبب قتل الأبناء ذكروا فيه وجوهًا . أحدها: قول ابن عباس Bهما أنه وقع إلى فرعون وطبقته ما كان الله وعد إبراهيم أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكًا فخافوا ذلك واتفقت كلمتهم على إعداد رجال معهم الشفار يطوفون في بني إسرائيل فلا يجدون مولودًا ذكرًا إلا ذبحوه ، فلما رأوا كبارهم يموتون وصغارهم يذبحون خافوا الفناء فحينئذ لا يجدون من يباشر الأعمال الشاقة ، فصاروا يتقلون عامًا دون عام . وثانيها: قول السدي: إن فرعون رأى نارًا أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر فأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل فدعا فرعون الكهنة وسألهم عن ذلك؟ فقالوا: يخرج من بيت المقدس من يكون هلاك القبط على يده ، وثالثها: أن المنجمين أخبروا فرعون بذلك وعينوا له السنة فلهذا كان يقتل أبناءهم في تلك السنة والأقرب هو الأول ، لأن الذي يستفاد من علم التعبير وعلم النجوم لا يكون أمرًا مفصلًا وإلا قدح ذلك في كون الإخبار عن الغيب معجزًا بل يكون أمرًا مجملًا والظاهر من حال العاقل أن لا يقدم على مثل هذا الأمر العظيم بسببه ، فإن قيل: إن فرعون كان كافرًا بالله فكان بأن يكون كافرًا بالرسل أولى ، وإذا كان كذلك فكيف يمكن أن يقدم على هذا الأمر العظيم بسبب إخبار إبراهيم عليه السلام عنه . قلنا: لعل فرعون كان عارفًا بالله وبصدق الأنبياء إلا أنه كان كافرًا كفر الجحود والعناد أو يقال: إنه كان شاكًا متحيرًا في دينه وكان يجوز صدق إبراهيم عليه السلام فأقدم على ذلك الفعل احتياطًا .