البحث الخامس: اعلم أن الفائدة في ذكر هذه النعمة من وجوه ، أحدها: أن هذه الأشياء التي ذكرها الله تعالى لما كانت من أعظم ما يمتحن به الناس من جهة الملوك والظلمة صار تخليص الله إياهم من هذه المحن من أعظم النعم وذلك لأنهم عاينوا هلاك من حاول إهلاكهم وشاهدوا ذل من بالغ في إذلالهم ولا شك في أن ذلك من أعظم النعم وتعظيم النعمة يوجب الانقياد والطاعة ، ويقتضي نهاية قبح المخالفة والمعاندة ، فلهذا السبب ذكر الله تعالى هذه النعمة العظيمة مبالغة في إلزام الحجة عليهم وقطعًا لعذرهم . وثانيها: أنهم لما عرفوا أنهم كانوا في نهاية الذل وكان خصمهم في نهاية العز إلا أنهم كانوا محقين وكان خصمهم مبطلًا لا جرم زال ذل المحقين وبطل عز المبطلين ، فكأنه تعالى قال: لا تغتروا بفقر محمد وقلة أنصاره في الحال ، فإنه محق لا بد وأن ينقلب العز إلى جانبه والذل إلى جانب أعدائه ، وثالثها: أن الله تعالى نبه بذلك على أن الملك بيد الله يؤتيه من يشاء ، فليس للإنسان أن يغتر بعز الدنيا بل عليه السعي في طلب عز الآخرة . أما قوله تعالى: { وَفِي ذلكم بَلاء مّن رَّبّكُمْ عَظِيمٌ } قال القفال: أصل الكلمة من الابتلاء وهو الاختيار والامتحان قال تعالى: { وَنَبْلُوكُم بالشر والخير فِتْنَةً } [ الأنبياء: 35 ] وقال: { وبلوناهم بالحسنات والسيئات } [ الأعراف: 168 ] والبلوى واقعة على النوعين ، فيقال للنعمة بلاء وللمحنة الشديدة بلاء والأكثر أن يقال في الخير إبلاء وفي الشر بلاء وقد يدخل أحدهما على الآخر . قال زهير
جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم ... وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو
إذ عرفت هذا فنقول: البلاء ههنا هو المحنة إن أشير بلفظ: «ذلكم» إلى صنع فرعون والنعمة إن أشير به إلى الإنجاء وحمله على النعمة أولى لأنها هي التي صدرت من الرب تعالى ، ولأن موضع الحجة على اليهود إنعام الله تعالى على أسلافهم .