فهرس الكتاب

الصفحة 6024 من 8321

ثم قال تعالى: { إِن يُرِدْنِ الرحمن بِضُرّ لاَّ تُغْنِ عَنّي شفاعتهم شَيْئًا وَلاَ يُنقِذُونَ } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قال: { إِن يُرِدْنِ الرحمن بِضُرٍّ } ولم يقل إن يرد الرحمن بي ضرًا ، وكذلك قال تعالى: { إِنْ أَرَادَنِيَ الله بِضُرّ هَلْ هُنَّ كاشفات ضُرّهِ } [ الزمر: 38 ] ولم يقل إن أراد الله بي ضرًا ، نقول الفعل إذا كان متعديًا إلى مفعول واحد تعدى إلى مفعولين بحرف كاللازم يتعدى بحرف في قولهم ذهب به وخرج به ، ثم إن المتكلم البليغ يجعل المفعول بغير حرف ما هو أولى بوقوع الفعل عليه ويجعل الآخر مفعولًا بحرف فإذا قال القائل مثلًا؟ كيف حال فلان: يقول اختصه الملك بالكرامة والنعمة فإذا قال كيف كرامة الملك؟ يقول: اختصها بزيد فيجعل المسؤول مفعولًا بغير حرف لأنه هو المقصود إذا علمت هذا فالمقصود فيما نحن فيه بيان كون العبد تحت تصرف الله يقلبه كيف يشاء في البؤس والرخاء ، وليس الضر بمقصود بيانه ، كيف والقائل مؤمن يرجو الرحمة والنعمة بناءً على إيمانه بحكم وعد الله ويؤيد هذا قوله من قبل { الذي فَطَرَنِي } [ يس: 22 ] حيث جعل نفسه مفعول الفطرة فكذلك جعلها مفعول الإرادة وذكر الضر وقع تبعًا وكذا القول في قوله تعالى: { إِنْ أَرَادَنِيَ الله بِضُرّ } [ الزمر: 38 ] المقصود بيان أنه يكون كما يريد الله وليس الضر بخصوصه مقصودًا بالذكر ويؤيده ما تقدم حيث قال تعالى: { أَلَيْسَ الله بِكَافٍ عَبْدَهُ } [ الزمر: 36 ] يعني هو تحت إرادته ويتأيد ما ذكرناه بالنظر في قوله تعالى: { قُلْ مَن ذَا الذي يَعْصِمُكُمْ مّنَ الله إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا } [ الأحزاب: 17 ] حيث خالف هذا النظم وجعل المفعول من غير حرف السوء وهو كالضر والمفعول بحرف هو المكلف ، وذلك لأن المقصود ذكر الضر للتخويف وكونهم محلًا له ، وكيف لا وهم كفرة استحقوا العذاب بكفرهم فجعل الضر مقصودًا بالذكر لزجرهم ، فإن قيل فقد ذكر الله الرحمة أيضًا حيث قال: { أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً } [ الأحزاب: 17 ] نقول المقصود ذلك ، ويدل عليه قوله تعالى: { مِن بَعْدِهِ وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مّن دُونِ الله وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا } [ الأحزاب: 17 ] وإنما ذكر الرحمة تتمة للأمر بالتقسيم الحاصر ، وكذلك إذا تأملت في قوله تعالى: { يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مّنَ الله شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بكم نفعًا } [ الفتح: 11 ] فإن الكلام أيضًا مع الكفار وذكر النفع وقع تبعًا لحصر الأمر بالتقسيم ، ويدل عليه قوله تعالى: { بَلْ كَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } [ الفتح: 11 ] فإنه للتخويف ، وهذا كقوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت