فهرس الكتاب

الصفحة 6025 من 8321

{ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِي ضلال مُّبِينٍ } [ سبأ: 24 ] ، والمقصود إني على هدى وأنتم في ضلال ، ولو قال هكذا لمنع مانع فقال بالتقسيم كذلك ههنا المقصود الضر واقع بكم ولأجل دفع المانع قال الضر والنفع .

المسألة الثانية: قال ههنا: { إِن يُرِدْنِ الرحمن } وقال في الزمر: { إِنْ أَرَادَنِيَ الله } [ الزمر: 38 ] فما الحكمة في اختيار صيغة الماضي هنالك واختيار صيغة المضارع ههنا وذكر المريد باسم الرحمن هنا وذكر المريد باسم الله هناك؟ نقول أما الماضي والمستقبل فإن إن في الشرط تصير الماضي مستقبلًا وذلك لأن المذكور ههنا من قبل بصيغة الاستقبال في قوله: { أَءتَّخِذُ } وقوله: { وَمَالِيَ لاَ أَعْبُدُ } [ يس: 22 ] والمذكور هناك من قبل بصيغة الماضي في قوله: { أَفَرَءَيْتُمُ } [ الزمر: 38 ] وكذلك في قوله تعالى: { وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ } [ الأنعام: 17 ] لكون المتقدم عليه مذكورًا بصيغة المستقبل وهو قوله: { منْ يُصْرَفْ عَنْهُ } [ الأنعام: 16 ] وقوله: { إِنّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ } [ الأنعام: 15 ] والحكمة فيه هو أن الكفار كانوا يخوفون النبي A بضر يصيبه من آلهتهم فكأنه قال صدر منكم التخويف ، وهذا ما سبق منكم ، وههنا ابتداء كلام صدر من المؤمن للتقرير ، والجواب ما كان يمكن صدوره منهم فافترق الأمران ، وأما قوله هناك: { إِنْ أَرَادَنِيَ الله } [ الزمر: 38 ] فنقول قد ذكرنا أن الأسمين المختصين بواجب الوجود الله والرحمن كما قال تعالى: { قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن } [ الإسراء: 110 ] والله للهيبة والعظمة والرحمن للرأفة والرحمة ، وهناك وصف الله بالعزة والانتقام في قوله: { أَلَيْسَ الله بِعَزِيزٍ ذِي انتقام } [ الزمر: 37 ] وذكر ما يدل على العظمة ما يدل على العظمة بقوله: { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السموات والأرض } [ العنكبوت: 61 ] فذكر الاسم الدال على العظمة وقال ههنا ما يدل على الرحمة بقوله: { الذي فَطَرَنِي } [ يس: 22 ] فإنه نعمة هي شرط سائر النعم فقال: { إِن يُرِدْنِ الرحمن بِضُرٍّ } ثم قال تعالى: { لاَّ تُغْنِ عَنّى شفاعتهم شَيْئًا وَلاَ ينقذون } على ترتيب ما يقع من العقلاء ، وذلك لأن من يريد دفع الضر عن شخص أضر به شخص يدفع بالوجه الأحسن فيشفع أولًا فإن قبله إلا يدفع فقال: لا تغن عني شفاعتهم ولا يقدرون على إنقاذي بوجه من الوجوه ، وفي هذه الآيات حصل بيان أن الله تعالى معبود من كل وجه إن كان نظرًا إلى جانبه فهو فاطر ورب مالك يستحق العبادة سواء أحسن بعد ذلك أو لم يحسن وإن كان نظرًا إلى إحسانه فهو رحمن ، وإن كان نظرًا إلى الخوف فهو يدفع ضره ، وحصل بيان أن غيره لا يصلح أن يعبد بوجه من الوجوه ، فإن أدنى مراتبه أن يعد ذلك ليوم كريهة وغير الله لا يدفع شيئًا إلا إذا أراد الله وإن يرد فلا حاجة إلى دافع .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت