فهرس الكتاب

الصفحة 604 من 8321

أما قوله تعالى: { وَأَنتُمْ ظالمون } ففيه أبحاث:

البحث الأول: في تفسير الظلم وفيه وجهان . الأول: قال أبو مسلم الظلم في أصل اللغة هو النقص ، قال الله تعالى: { كِلْتَا الجنتين آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمِ مّنْهُ شَيْئًا } [ الكهف: 33 ] ، والمعنى أنهم لما تركوا عبادة الخالق المحيي المميت واشتغلوا بعبادة العجل فقد صاروا ناقصين في خيرات الدين والدنيا . والثاني: أن الظلم في عرف الشرع عبارة عن الضرر الخالي من نفع يزيد عليه ودفع مضرة أعظم منه والاستحقاق عن الغير في علمه أو ظنه ، فإذا كان الفعل بهذه الصفة كان فاعله ظالمًا ثم إن الرجل إذا فعل ما يؤديه إلى العقاب والنار قيل: إنه ظالم نفسه وإن كان في الحال نفعًا ولذة كما قال تعالى: { إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [ لقمان: 13 ] ، وقال: { فَمِنْهُمْ ظالم لّنَفْسِه } [ فاطر: 32 ] ولما كانت عبادتهم لغير الله شركا وكان الشرك مؤديًا إلى النار سمي ظلمًا .

البحث الثاني: استدلت المعتزلة بقوله: { وَأَنتُمْ ظالمون } على أن المعاصي ليست بخلق الله تعالى من وجوه ، أحدها: أنه تعالى ذمهم عليها ولو كانت مخلوقة لله تعالى لما استحق الذم إلا من فعلها . وثانيها: أنها لو كانت بإرادة الله تعالى لكانوا مطيعين لله تعالى بفعلها لأن الطاعة عبارة عن فعل المراد . وثالثها: لو كان العصيان مخلوقًا لله تعالى لكان الذم بسببه يجري مجرى الذم بسبب كونه أسود وأبيض وطويلًا وقصيرًا ، والجواب: هذا تمسك بفعل المدح والذم وهو معارض بمسألتي الداعي والعلم ذلك مرارًا .

البحث الثالث: في الآية تنبيه على أن ضرر الكفر لا يعود إلا عليهم لأنهم ما استفادوا بذلك إلا أنهم ظلموا أنفسهم ، وذلك يدل على أن جلال الله منزه عن الاستكمال بطاعة الاتقياء والانتقاص بمعصية الأشقياء .

أما قوله تعالى: { ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مّن بَعْدِ ذلك } فقالت المعتزلة: المراد ثم عفونا عنكم بسبب إتيانكم بالتوبة وهي قتل بعضهم بعضًا ، وهذا ضعيف من وجهين ، الأول: أن قبول التوبة واجب عقلًا فلو كان المراد ذلك لما جاز عده في معرض الإنعام لأن أداء الواجب لا يعد من باب الإنعام والمقصود من هذه الآيات تعديد نعم الله تعالى عليهم . الثاني: أن العفو اسم لإسقاط العقاب المستحق فأما إسقاط ما يجب إسقاطه فذاك لا يسمى عفوًا ألا ترى أن الظالم لما لم يجز له تعذيب المظلوم ، فإذا ترك ذلك العذاب لايسمى ذلك الترك عفوًا فكذا ههنا ، وإذا ثبت هذا فنقول لا شك في حصول التوبة في هذه الصورة لقوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت