المسألة الثانية: جعل الفلك تارة جمعًا حيث قال: { وَتَرَى الفلك فِيهِ مَوَاخِرَ } [ فاطر: 12 ] جمع ماخرة وأخرى فردًا حيث قال: { فِى الفلك المشحون } نقول فيه تدقيق مليح من علم اللغة ، وهو أن الكلمة قد تكون حركتها مثل حركة تلك الكلمة في الصورة ، والحركتان مختلفتان في المعنى مثالها قولك: سجد يسجد سجودًا للمصدر وهم قوم سجود في جمع ساجد ، تظن أنهما كلمة واحدة لمعنيين وليس كذلك ، بل السجود عند كونه مصدرًا حركته أصلية إذا قلنا إن الفعل مشتق من المصدر وحركة السجود عند كونه للجمع حركة متغيرة من حيث إن الجمع يشتق من الواحد ، وينبغي أن يلحق المشتق تغيير في حركة أو حرف أو في مجموعهما ، فساجد لما أردنا أن يشتق منه لفظ جمع غيرناه ، وجئناه بلفظ السجود ، فإذًا السجود للمصدر والجمع ليس من قبيل الألفاظ المشتركة التي وضعت بحركة واحدة لمعنيين ، إذا عرفت هذا فنقول الفلك عند كونه واحدًا مثل قفل وبرد ، وعند كونها جمعًا مثل خشب ومرد وغيرهما ، فإن قلت فإذا جعلته جمعًا ماذا يكون واحدها؟ نقول جاز أن يكون واحدها فلكة أو غيرها مما لم يستعمل كواحد النساء حيث لم يستعمل ، وكذا القول في: { إِمَامٍ مُّبِينٍ } [ يس: 12 ] وفي قوله: { نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بإمامهم } [ الإسراء: 71 ] أي بأئمتهم عند قوله تعالى: { إِمَامٍ مُّبِينٍ } إما كزمام وكتاب وعند قوله تعالى: { كُلَّ أُنَاسٍ بإمامهم } إمام كسهام وكرام وجعاب وهذا من دقيق التصريف وأما المعنوية: فنذكرها في مسائل:
المسألة الأولى: قال ههنا: { حَمَلْنَا ذُرّيَّتَهُمْ } من عليهم بحمل ذريتهم ، وقال تعالى: { إِنَّا لَمَّا طَغَا الماء حملناكم فِى الجارية } [ الحاقة: 11 ] من هناك عليهم بحمل أنفسهم ، نقول لأن من ينفع المتعلق بالغير يكون قد نفع ذلك الغير ، ومن يدفع الضرر على المتعلق بالغير لا يكون قد دفع الضرر عن ذلك الغير ، بل يكون قد نفعه مثاله من أحسن إلى ولد إنسان وفرحه فرح بفرحه أبوه ، وإذا دفع واحد الألم عن ولد إنسان يكون قد فرح أباه ولا يكون في الحقيقة قد أزال الألم عن أبيه ، فعند طغيان الماء كان الضرر يلحقهم فقال دفعت عنكم الضرر ، ولو قال دفعت عن أولادكم الضرر لما حصل بيان دفع الضرر عنهم ، وههنا أراد بيان المنافع فقال: { حَمَلْنَا ذُرّيَّتَهُمْ } لأن النفع حاصل بنفع الذرية ويدلك على هذا أن ههنا قال: { فِى الفلك المشحون } فإن امتلاء الفلك من الأموال يحصل بذكره بيان المنفعة ، وأما دفع المضرة فلا ، لأن الفلك كلما كان أثقل كان الخلاص به أبطأ وهنالك السلامة ، فاختار هنالك ما يدل على الخلاص من الضرر وهو الجري ، وههنا ما يدل على كمال المنفعة وهو الشحن ، فإن قيل قال تعالى: