فهرس الكتاب

الصفحة 6179 من 8321

{ واصبر على مَا يَقُولُونَ واذكر عَبْدَنَا دَاوُودُ } [ ص: 17 ] فإن قوم محمد عليه السلام لما أظهروا السفاهة حيث قالوا: { هذا ساحر كَذَّابٌ } [ ص: 4 ] واستهزأوا به حيث قالوا: { رَبَّنَا عَجّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الحساب } [ ص: 16 ] فقال تعالى في أول الآية: اصبر يا محمد على سفاهتهم وتحمل وتحلم ولا تظهر الغضب واذكر عبدنا داود ، فهذا الذكر إنما يحسن إذا كان داود عليه السلام قد صبر على إيذائهم وتحمل سفاهتهم وحلم ولم يظهر الطيش والغضب ، وهذا المعنى إنما يحصل إذا حملنا الآية على ما ذكرناه ، أما إذا حملناها على ما ذكروه صار الكلام متناقضًا فاسدًا والرابع: أن تلك الرواية إنما تتمشى إذا قلنا الخصمان كانا ملكين ، ولما كانا من الملائكة وما كان بينهما مخاصمة وما بغى أحدهما على الآخر كان قولهما خصمان بغى بعضنا على بعض كذبًا ، فهذه الرواية لا تتم إلا بشيئين أحدهما: إسناد الكذب إلى الملائكة والثاني: أن يتوسل بإسناد الكذب إلى الملائكة إلى إسناد أفحش القبائح إلى رجل كبير من أكابر الأنبياء ، فأما إذا حملنا الآية على ما ذكرنا استغنينا عن إسناد الكذب إلى الملائكة ، وعن إسناد القبيح إلى الأنبياء ، فكان قولنا أولى ، فهذا ما عندنا في هذا الباب ، والله أعلم بأسرار كلامه ، ونرجع الآن إلى تفسير الآيات . أما قوله: { وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُا الخصم } قال الواحدي: الخصم مصدر خصمته أخصمه خصمًا ، ثم يسمى به الإثنان والجمع ولا يثنى ولا يجمع ، يقال هما خصم وهم خصم ، كما يقال هما عدل وهم عدل ، والمعنى ذوا خصم وذوو خصم ، وأريد بالخصم ههنا الشخصان اللذان دخلا على داود عليه السلام ، وقوله تعالى: { إِذْ تَسَوَّرُواْ المحراب } يقال تسورت السور تسورًا إذا علوته ، ومعنى: { تَسَوَّرُواْ المحراب } أي أتوه من سوره وهو أعلاه ، يقال تسور فلان الدار إذا أتاها من قبل سورها . وأما المحراب فالمراد منه البيت الذي كان داود يدخل فيه ويشتغل بطاعة ربه ، وسمي ذلك البيت المحراب لاشتماله على المحراب ، كما يسمى الشيء بأشرف أجزائه ، وههنا مسألة من علم أصول الفقه ، وهي أن أقل الجمع اثنان عند بعض الناس ، وهؤلاء تمسكوا بهذه الآية ، لأنه تعالى ذكر صيغة الجمع في هذه الآيات في أربعة مواضع أحدهما: قوله تعالى: { إِذْ تَسَوَّرُواْ المحراب } [ ص: 21 ] ، وثانيها: قوله: { إِذْ دَخَلُواْ } ، وثالثها: قوله: { مِنْهُمْ } ، ورابعها: قوله: { قَالُواْ لاَ تَخَفْ } فهذه الألفاظ الأربعة كلها صيغ الجمع ، وهم كانوا اثنين بدليل أنهم قالوا خصمان ، قالوا فهذه الآية تدل على أن أقل الجمع اثنان والجواب: لا يمتنع أن يكون كل واحد من الخصمين جمعًا كثيرين ، لأنا بينا أن الخصم إذا جعل اسمًا فإنه لا يثنى ولا يجمع ، ثم قال تعالى: { إِذْ دَخَلُواْ على دَاوُودُ } والفائدة فيه أنهم ربما تسوروا المحراب وما دخلوا عليه ، فلما قال: { إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ } دل على أنهم بعد التسور دخلوا عليه ، قال الفراء: وقد يجاء بإذ مرتين ويكون معناهما كالواحد ، كقولك ضربتك إذ دخلت علي إذ اجترأت ، مع أنه يكون وقت الدخول ووقت الاجتراء واحدًا ، ثم قال تعالى: { فَفَزِعَ مِنْهُمْ } والسبب أن داود عليه السلام لما رآهما قد دخلوا عليه لا من الطريق المعتاد ، علم أنهم إنما دخلوا عليه للشر ، فلا جرم فزع منهم ، ثم قال تعالى: { قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بغى بَعْضُنَا على بَعْضٍ } وفيه مسائل:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت