{ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ } [ يونس: 26 ] ، أي نجازيهم بالإحسان إحسانًا وزيادة كما جعل الثواب للحسنة الواحدة عشرًا ، وأكثر من ذلك ، وأما إن كان المراد من «المحسنين» من كان محسنًا بطاعات أخرى بعد هذه التوبة ، فيكون المعنى أنا نجعل دخولكم الباب سجدًا وقولكم حطة مؤثرًا في غفران الذنوب ، ثم إذا أتيتم بعد ذلك بطاعات أخرى أعطيناكم الثواب على تلك الطاعات الزائدة ، وفي الآية تأويل آخر ، وهو أن المعنى من كان خاطئًا غفرنا له ذنبه بهذا الفعل ، ومن لم يكن خاطئًا بل كان محسنًا زدنا في إحسانه ، أي كتبنا تلك الطاعة في حسناته وزدناه زيادة منا فيها فتكون المغفرة للمؤمنين والزيادة للمطيعين .
أما قوله تعالى: { فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ } ففيه قولان . الأول: قال أبو مسلم قوله تعالى: { فَبَدَّلَ } يدل على أنهم لم يفعلوا ما أمروا به ، لا على أنهم أتوا له ببدل ، والدليل عليه أن تبديل القول قد يستعمل في المخالفة ، قال تعالى: { سَيَقُولُ المخلفون مّنَ الأعراب } [ الفتح: 11 ] إلى قوله: { يُرِيدُونَ أَن يُبَدّلُواْ كلام الله } [ الفتح: 15 ] ولم يكن تبديلهم إلا الخلاف في الفعل لا في القول فكذا ههنا ، فيكون المعنى أنهم لما أمروا بالتواضع وسؤال المغفرة لم يمتثلوا أمر الله ولم يلتفتوا إليه . الثاني: وهو قول جمهور المفسرين: إن المراد من التبديل أنهم أتوا ببدل له لأن التبديل مشتق من البدل ، فلا بد من حصول البدل ، وهذا كما يقال: فلان بدل دينه ، يفيد أنه انتقل من دين إلى دين آخر ، ويؤكد ذلك قوله تعالى: { قَوْلًا غَيْرَ الذي قِيلَ لَهُمْ } ثم اختلفوا في أن ذلك القول والفعل أي شيء كان؟ فروي عن ابن عباس أنهم دخلوا الباب الذي أمروا أن يدخلوا فيه سجدًا زاحفين على أستاههم ، قائلين حنطة من شعيرة ، وعن مجاهد أنهم دخلوا على أدبارهم وقالوا: حنطة استهزاء ، وقال ابن زيد: استهزاء بموسى . وقالوا: ما شاء موسى أن يلعب بنا إلا لعب بنا حطة حطة أي شيء حطة .
أما قوله تعالى: { الذين ظَلَمُواْ } فإنما وصفهم الله بذلك إما لأنهم سعوا في نقصان خيراتهم في الدنيا والدين أو لأنهم أضروا بأنفسهم ، وذلك ظلم على ما تقدم .
أما قوله تعالى: { فَأَنزَلْنَا عَلَى الذين ظَلَمُواْ رِجْزًا مّنَ السماء } ففيه بحثان:
الأول: أن في تكرير: { الذين ظَلَمُواْ } زيادة في تقبيح أمرهم وإيذانًا بأن إنزال الرجز عليهم لظلمهم . الثاني: أن الرجز هو العذاب والدليل عليه قوله تعالى: { وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرجز } أي العقوبة ، وكذا قوله تعالى: { لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرجز } [ الأعراف: 134 ] وذكر الزجاج أن الرجز والرجس معناهما واحد وهو العذاب .
وأما قوله: { وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشيطان } [ الأنفال: 11 ] فمعناه لطخه وما يدعوا إليه من الكفر ، ثم إن تلك العقوبة أي شيء كانت لا دلالة في الآية عليه ، فقال ابن عباس: مات منهم بالفجأة أربعة وعشرون ألفًا في ساعة واحدة ، وقال ابن زيد: بعث الله عليهم الطاعون حتى مات من الغداة إلى العشي خمس وعشرون ألفًا ، ولم يبق منهم أحد .