فهرس الكتاب

الصفحة 6212 من 8321

وأما النفس فإليها الإشارة بقوله: { وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى } ولما أضاف الروح إلى نفسه دل على أنه جوهر شريف علوي قدسي ، وذهبت الحلولية إلى أن كلمة ( من ) تدل على التبعيض ، وهذا يوهم أن الروح جزء من أجزاء الله تعالى ، وهذا غاية الفساد ، لأن كل ما له جزء وكل ، فهو مركب وممكن الوجود لذاته ومحدث .

وأما كيفية نفخ الروح ، فاعلم أن الأقرب أن جوهر النفس عبارة عن أجسام شفافة نورانية ، علوية العنصر ، قدسية الجوهر ، وهي تسري في البدن سريان الضوء في الهواء ، وسريان النار في الفحم ، فهذا القدر معلوم . أما كيفية ذلك النفخ فمما لا يعلمه إلا الله تعالى .

المسألة الثالثة: الفاء في قوله: { فَقَعُواْ لَهُ ساجدين } تدل على أنه كما تم نفخ الروح في الجسد توجه أمر الله عليهم بالسجود ، وأما أن المأمور بذلك السجود ملائكة الأرض ، أو دخل فيه ملائكة السموات مثل جبريل وميكائيل ، والروح الأعظم المذكور في قوله: { يَوْمَ يَقُومُ الروح والملائكة صَفًّا } [ النبأ: 38 ] ففيه مباحث عميقة . وقال بعض الصوفية: الملائكة الذين أمروا بالسجود لآدم ، هم القوى النباتية والحيوانية الحسية والحركية ، فإنها في بدن الإنسان خوادم النفس الناطقة ، وإبليس الذي لم يسجد هو القوة الوهمية التي هي المنازعة لجوهر العقل ، والكلام فيه طويل . وأما بقية المسائل وهي: كيفية سجود الملائكة لآدم ، وأن ذلك هل يدل على كونه أفضل من الملائكة أم لا ، وأن إبليس هل كان من الملائكة أم لا ، وأنه هل كان كافرًا ، أصليًا أم لا ، فكل ذلك تقدم في سورة البقرة وغيرها .

المسألة الرابعة: احتج من أثبت الأعضاء والجوارح لله تعالى بقوله تعالى: { مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ } في إثبات يدين لله تعالى ، بأن قالوا ظاهر الآية يدل عليه ، فوجب المصير إليه ، والآيات الكثيرة واردة على وفق هذه الآية ، فوجب القطع به .

واعلم أن الدلائل الدالة على نفي كونه تعالى جسمًا مركبًا من الأجزاء والأعضاء ، قد سبقت إلا أنا نذكر ههنا نكتًا جارية مجرى الإلزامات الظاهرة فالأول: أن من قال إنه مركب من الأعضاء والأجزاء ، فإما أن يثبت الأعضاء التي ورد ذكرها في القرآن ولا يزيد عليها ، وإما أن يزيد عليها ، فإن كان الأول لزمه إثبات صورة لا يمكن أن يزاد عليها في القبح ، لأنه يلزمه إثبات وجه بحيث لا يوجد منه إلا مجرد رقعة الوجه لقوله: { كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ }

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت