فهرس الكتاب

الصفحة 6215 من 8321

« كلتا يديه يمنى » ومعلوم أن هذا الوصف لا يليق بالقدرة .

وأما التأويل الثاني: وهو حمل اليدين على النعمتين فهو أيضًا باطل لوجوه الأول: أن نعم الله تعالى كثيرة كما قال: { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا } [ إبراهيم: 34 ] وظاهر الآية يدل على أن اليد لا تزيد على الإثنتين الثاني: لو كانت اليد عبارة عن النعمة فنقول النعمة مخلوقة لله فحينئذٍ لا يكون آدم مخلوقًا لله تعالى بل يكون مخلوقًا لبعض المخلوقات ، وذلك بأن يكون سببًا لمزيد النقصان أولى من أن يكون سببًا لمزيد الكمال الثالث: لو كانت اليد عبارة عن النعمة لكان قوله: { تَبَارَكَ الذى بِيَدِهِ الملك } [ الملك: 1 ] معناه تبارك الذي بنعمته الملك ولكان قوله: « بيدك الخير » معناه بنعمتك الخير ولكان قوله: { يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } [ المائدة: 64 ] معناه نعمتان مبسوطتان ، ومعلوم أن كل ذلك فاسد .

وأما التأويل الثالث: وهو قوله إن لفظ اليد قد يذكر زيادة لأجل التأكيد فنقول لفظ اليد قد يستعمل في حق من يكون هذا العضو حاصلًا له وفي حق من لا يكون هذا العضو حاصلًا في حقه أما الأول: فكقولهم في حق من جنى بلسانه هذا ما كسبت يداك والسبب في هذا أن محل القدرة هو اليد فأطلق اسم اليد على القدرة ، وعلى هذا التقدير فيصير المراد من لفظ اليد القدرة ، وقد تقدم إبطال هذا الوجه وأما الثاني: فكقوله { بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } [ سبأ: 46 ] وقوله: ( بين يدي الساعة ) إلا أنا نقول هذا المجاز بهذا اللفظ مذكور والمجاز لا يقاس عليه ولا يكون مطردًا ، فلا جرم لا يجوز أن يقال إن هذا المعنى إنما حصل بيد العذاب وبيد الساعة ، ونحن نسلم أن قوله: { لاَ تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ الله وَرَسُولُهُ } [ الحجرات: 1 ] قد يجوز أن يراد به التأكيد والصلة ، أما المذكور في هذه الآية ليس هذا اللفظ بل قوله تعالى: { خَلَقْتُ بِيَدَىَّ } وإن كان القياس في المجازات باطلًا فقد سقط كلامكم بالكلية ، فهذا منتهى البحث في هذا الباب .

والذي تلخص عندي في هذا الباب أن السلطان العظيم لا يقدر على عمل شيء بيده إلا إذا كانت غاية عنايته مصروفة إلى ذلك العمل ، فإذا كانت العناية الشديدة من لوازم العمل باليد أمكن جعله مجازًا عنه عند قيام الدلائل القاهرة . فهذا ما لخصناه في هذا الباب ، والله أعلم .

أما قوله تعالى: { اسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ العالين } فالمعنى: استكبرت الآن أم كنت أبدًا من المتكبرين العالين ، فأجاب إبليس بقوله: { أَنَا خَيْرٌ مّنْه خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } فالمعنى أني لو كنت مساويًا له في الشرف لكان يقبح أمري بسجودي له فكيف وأنا خير منه ثم بين كونه خيرًا منه بأن أصله من النار والنار أشرف من الطين ، فصح أن أصله خير من أصل آدم ومن كان أصله خيرًا من أصله فهو خير منه فهذه مقدمات ثلاثة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت