فهرس الكتاب

الصفحة 6239 من 8321

الفائدة الأولى: أن الله أمر محمدًا A أن يجري هذا الكلام على نفسه ، والمقصود منه المبالغة في زجر الغير عن المعاصي ، لأنه مع جلالة قدرة وشرف نبوته إذا وجب أن يكون خائفًا حذرًا عن المعاصي فغيره بذلك أولى .

الفائدة الثانية: دلت الآية على أن المرتب على المعصية ليس حصول العقاب بل الخوف من العقاب ، وهذا يطابق قولنا: إن الله تعالى قد يعفو عن المذنب والكبيرة ، فيكون اللازم عند حصول المعصية هو الخوف من العقاب لا نفس حصول العقاب .

الفائدة الثالثة: دلت هذه الآية على أن ظاهر الأمر للوجوب ، وذلك لأنه قال في أول الآية: { إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله } ثم قال بعده: { قُلْ إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } فيكون معنى هذا العصيان ترك الأمر الذي تقدم ذكره ، وذلك يقتضي أن يكون تارك الأمر عاصيًا ، والعاصي يترتب عليه الخوف من العقاب ، ولا معنى للوجوب إلا ذلك .

النوع الثالث: من الأشياء التي أمر الله رسوله أن يذكرها قوله: { قُلِ الله أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِى } فإن قيل ما معنى التكرير في قوله: { قُلْ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله مُخْلِصًا لَّهُ الدين } وقوله: { قُلِ الله أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِى } ؟ ، قلنا هذا ليس بتكرير لأن الأول إخبار بأنه مأمور من جهة الله بالإتيان بالعبادة ، والثاني إخبار بأنه أمر بأن لا يعبد أحدًا غيره ، وذلك لأن قوله: { أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله } لا يفيد الحصر وقوله تعالى: { قُلِ الله أَعْبُدُ } يفيد الحصر يعني الله أعبد ولا أعبد أحدًا سواه ، والدليل عليه أنه لما قال بعد: { قُلِ الله أَعْبُدُ } قال بعده: { فاعبدوا مَا شِئْتُمْ مّن دُونِهِ } ولا شبهة في أن قوله: { فاعبدوا مَا شِئْتُمْ مّن دُونِهِ } ليس أمرًا بل المراد منه الزجر ، كأنه يقول لما بلغ البيان في وجوب رعاية التوحيد إلى الغاية القصوى فبعد ذلك أنتم أعرف بأنفسكم ، ثم بين تعالى كمال الزجر بقوله: { قُلْ إِنَّ الخاسرين الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ } لوقوعها في هلاك لا يعقل هلاك أعظم منه ، وخسروا أهليهم أيضًا لأنهم إن كانوا من أهل النار فقد خسروهم كما خسروا أنفسهم ، وإن كانوا من أهل الجنة ، فقد ذهبوا عنهم ذهابًا لا رجوع بعده ألبتة ، وقال ابن عباس: إن لكل رجل منزلًا وأهلًا وخدمًا في الجنة ، فإن أطاع أعطى ذلك ، وإن كان من أهل النار حرم ذلك فخسر نفسه وأهله ومنزله وورثه غيره من المسلمين ، والخاسر المغبون ، ولما شرح الله خسرانهم وصف ذلك الخسران بغاية الفظاعة فقال: { أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الخسران المبين } كان التكرير لأجل التأكيد الثاني: أنه تعالى ذكر في أول هذه الكلمة حرف ألا وهو للتنبيه ، وذكر التنبيه في هذا الموضع يدل على التعظيم كأنه قيل إنه بلغ في العظمة إلى حيث لا تصل عقولكم ليها فتنبهوا لها الثالث: أن كلمة ( هو ) : في قوله: { هُوَ الخسران المبين } تفيد الحصر كأنه قيل كل خسران فإنه يصير في مقابلته كل خسران الرابع: وصفه بكونه ( مبينًا ) : يدل على التهويل ، وأقول قد بينا أن لفظ الآية يدل على كونه خسرانًا مبينًا فلنبين بحسب المباحث العقلية كونه خسرانًا مبينًا ، وأقول نفتقر إلى بيان أمرين إلى أن يكون خسرانًا ثم كونه مبينًا أما الأول: فتقريره أنه تعالى أعطى هذه الحياة وأعطى العقل ، وأعطى المكنة وكل ذلك رأس المال ، أما هذه الحياة فالمقصود منها أن يكتسب فيها الحياة الطيبة في الآخرة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت