« ينصب الله الموازين يوم القيامة ، فيؤتى أهل الصلاة فيوفون أجورهم بالموازين ، ويؤتى بأهل الصدقة فيوفون أجورهم بالموازين ، ويؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان ، ويصب عليهم الأجر صبًا » قال الله تعالى: { إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض لما به أهل البلاء من الفضل .
النوع الثاني: من البيانات أمر الله رسوله أن يذكرها قوله تعالى: { قُلْ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله مُخْلِصًا لَّهُ الدين } قال مقاتل: إن كفار قريش قالوا للنبي A ما يحملك على هذا الدين الذي أتيتنا به؟ ألا تنظر إلى ملة أبيك وجدك وسادات قومك يعبدون اللات والعزى! فأنزل الله ، قل يا محمد إني أمرت أن أعبد الله مخلصًا له الدين ، وأقول إن التكليف نوعان أحدهما: الأمر بالاحتراز عما لا ينبغي والثاني: الأمر بتحصيل ما ينبغي ، والمرتبة الأولى مقدمة على المرتبة الثانية بحسب الرتبة الواجبة اللازمة ، إذا ثبت هذا فنقول إنه تعالى قدم الأمر بإزالة ما ينبغي فقال: { اتقوا رَبَّكُمُ } لأن التقوى هي الاحتراز عما لا ينبغي ثم ذكر عقيبه الأمر بتحصيل ما ينبغي فقال: { إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله مُخْلِصًا لَّهُ الدين } وهذا يشتمل على قيدين أحدهما: الأمر بعبادة الله الثاني: كون تلك العبادة خالصة عن شوائب الشرك الجلي وشوائب الشرك الخفي ، وإنما خص الله تعالى الرسول بهذا الأمر لينبه على أن غيره بذلك أحق فهو كالترغيب للغير ، وقوله تعالى: { وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ المسلمين } لا شبهة في أن المراد إني أول من تمسك بالعبادات التي أرسلت بها ، وفي هذه الآية فائدتان:
الفائدة الأولى: كأنه يقول إني لست من الملوك الجبابرة الذين يأمرون الناس بأشياء وهم لا يفعلون ذلك ، بل كل ما أمرتكم به فأنا أول الناس شروعًا فيه وأكثرهم مداومة عليه .
الفائدة الثانية: أنه قال: { إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله } والعبادة لها ركنان عمل القلب وعمل الجوارح ، وعمل القلب أشرف من عمل الجوارح ، فقدم ذكر الجزء الأشرف وهو قوله: { مُخْلِصًا لَّهُ الدين } ثم ذكر عقيبه الأدون وهو عمل الجوارح وهو الإسلام ، فإن النبي A فسر الإسلام في خبر جبريل عليه السلام بالأعمال الظاهرة ، وهو المراد بقوله في هذه الآية: { وَأُمِرْتُ لأَن أَكُونَ أَوَّلَ المسلمين } وليس لقائل أن يقول ما الفائدة في تكرير لفظ { أُمِرْتُ } لأنا نقول ذكر لفظ { أُمِرْتُ } أولًا في عمل القلب وثانيًا في عمل الجوارح ولا يكون هذا تكريرًا .
الفائدة الثالثة: في قوله: { وَأُمِرْتُ لأَن أَكُونَ أَوَّلَ المسلمين } التنبيه على كونه رسولًا من عند الله واجب الطاعة ، لأن أول المسلمين في شرائع الله لا يمكن أن يكون إلا رسول الله ، لأن أول من يعرف تلك الشرائع والتكاليف هو الرسول المبلغ ، ولما بين الله تعالى أمره بالإخلاص بالقلب وبالأعمال المخصوصة ، وكان الأمر يحتمل الوجوب ويحتمل الندب بين أن ذلك الأمر للوجوب فقال: { قُلْ إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } وفيه فوائد: