فهرس الكتاب

الصفحة 6287 من 8321

واعلم أنه تعالى لما قدر كمال عظمته بما سبق ذكره أردفه بذكر طريقة أخرى تدل أيضًا على كمال قدرته وعظمته ، وذلك شرح مقدمات يوم القيامة لأن نفخ الصور يكون قبل ذلك اليوم ، فقال: { وَنُفِخَ فِى الصور فَصَعِقَ مَن فِى السموات وَمَن فِى الأرض إِلاَّ مَن شَاء الله ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ } واختلفوا في الصعقة ، منهم من قال إنها غير الموت بدليل قوله تعالى في موسى عليه السلام { وَخَرَّ موسى صَعِقًا } [ الأعراف: 143 ] مع أنه لم يمت ، فهذا هو النفخ الذي يورث الفزع الشديد ، وعلى هذا التقدير فالمراد من نفخ الصعقة ومن نفخ الفزع واحد ، وهو المذكور في سورة النمل في قوله { وَيَوْمَ يُنفَخُ فِى الصور فَفَزِعَ مَن فِى السموات وَمَن فِى الأرض } [ النمل: 87 ] وعلى هذا القول فنفخ الصور ليس إلا مرتين .

والقول الثاني: أن الصعقة عبارة عن الموت والقائلون بهذا القول قالوا إنهم يموتون من الفزع وشدة الصوت ، وعلى هذا التقدير فالنفخة تحصل ثلاث مرات أولها: نفخة الفزع وهي المذكورة في سورة النمل والثانية: نفخة الصعق والثالثة: نفخة القيام وهما مذكورتان في هذه السورة .

وأما قوله { إِلاَّ مَن شَاء الله } ففيه وجوه الأول: قال ابن عباس Bهما: عند نفخة الصعق يموت من في السموات ومن في الأرض إلا جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت ثم يميت الله ميكائيل وإسرافيل ويبقي جبريل وملك الموت ثم يميت جبريل .

والقول الثاني: أنهم هم الشهداء لقوله تعالى: { بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ } [ آل عمران: 169 ] وعن أبي هريرة Bه عن النبي A أنه قال: « هم الشهداء متقلدون أسيافهم حول العرش » . القول الثالث: قال جابر هذا المستثنى هو موسى عليه السلام لأنه صعق مرة فلا يصعق ثانيًا .

القول الرابع: أنهم الحور العين وسكان العرش والكرسي .

والقول الخامس: قال قتادة الله أعلم بأنهم من هم ، وليس في القرآن والأخبار ما يدل على أنهم من هم . ثم قال تعالى: { ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ } وفيه أبحاث:

الأول: لفظ القرآن دل على أن هذه النفخة متأخرة عن النفخة الأولى ، لأن لفظ { ثُمَّ } يفيد التراخي ، قال الحسن C القرآن دل على أن هذه النفخة الأولى ، وروي عن النبي A: « أن بينهما أربعين » ولا أدري أربعون يومًا أو شهرًا أو أربعون سنة أو أربعون ألف سنة .

الثاني: قوله { أخرى } تقدير الكلام ونفخ في الصور نفخة واحدة ثم نفخ فيه نفخة أخرى ، وإنما حسن الحذف لدلالة أخرى عليها ولكونها معلومة .

الثالث: قوله { فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ } يعني قيامهم من القبور يحصل عقيب هذه النفخة الأخيرة في الحال من غير تراخ لأن الفاء في قوله { فَإِذَا هُم } تدل على التعقيب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت