{ وَتَرَى الملائكة حَافّينَ مِنْ حَوْلِ العرش } [ الزمر: 75 ] وبالجملة فقد ظهر بالبراهين اليقينية ، وبالمكاشفات الصادقة أنه لا نسبة لعالم الأجساد ، إلى عالم الأرواح فكل ما شاهدته بعين البصر في اختلاف مراتب عالم الأجساد ، فيجب أن تشاهده بعين بصيرتك في اختلاف مراتب عالم الأرواح .
المسألة الثانية: دلت هذه الآية على أنه سبحانه منزّه عن أن يكون في العرش ، وذلك لأنه تعالى قال في هذه الآية { الذين يَحْمِلُونَ العرش } وقال في آية أخرى { وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثمانية } [ الحاقة: 17 ] ولا شك أن حامل العرش يكون حاملًا لكل من في العرش ، فلو كان إله العالم في العرش لكان هؤلاء الملائكة حاملين لإله العالم فحينئذ يكونون حافظين لإله العالم والحافظ القادر أولى بالإلهية والمحمول المحفوظ أولى بالعبودية ، فحينئذ ينقلب الإله عبدًا والعبد إلها ، وذلك فاسد ، فدل هذا على أن إله العرش والأجسام متعال عن العرش والأجسام .
واعلم أنه تعالى حكى عن حملة العرش ، وعن الحافين بالعرش ثلاثة أشياء:
النوع الأول: قوله { يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ } ونظيره قوله حكاية عن الملائكة { وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ } [ البقرة: 30 ] وقوله تعالى: { وَتَرَى الملائكة حَافّينَ مِنْ حَوْلِ العرش يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ } [ الزمر: 75 ] فالتسبيح عبارة عن تنزيه الله تعالى عما لا ينبغي ، والتحميد الاعتراف بأنه هو المنعم على الإطلاق ، فالتسبيح إشارة إلى الجلال والتحميد إشارة إلى الإكرام ، فقوله { يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ } قريب من قوله { تبارك اسم رَبّكَ ذِى الجلال والإكرام } [ الرحمن: 78 ] .
النوع الثاني: مما حكى الله عن هؤلاء الملائكة هو قوله تعالى: { وَيُؤْمِنُونَ بِهِ } فإن قيل فأي فائدة في قوله { وَيُؤْمِنُونَ بِهِ } فإن الاشتغال بالتسبيح والتحميد لا يمكن إلا وقد سبق الإيمان بالله؟ قلنا الفائدة فيه ما ذكره صاحب «الكشاف» ، وقد أحسن فيه جدًا فقال إن المقصود منه التنبيه على أن الله تعالى لو كان حاضرًا بالعرش لكان حملة العرش والحافون حول العرش يشاهدونه ويعاينونه ، ولما كان إيمانهم بوجود الله موجبًا للمدح والثناء لأن الإقرار بوجود شيء حاضر مشاهد معاين لا يوجب المدح والثناء ، ألا ترى أن الإقرار بوجود الشمس وكونها مضيئة لا يوجب المدح والثناء ، فلما ذكر الله تعالى إيمانهم بالله على سبيل الثناء والمدح والتعظيم ، علم أنهم آمنوا به بدليل أنهم ما شاهدوه حاضرًا جالسًا هناك ، ورحم الله صاحب «الكشاف» فلو لم يحصل في كتابه إلا هذه النكتة لكفاه فخرًا وشرفًا .
النوع الثالث: مما حكى الله عن هؤلاء الملائكة قوله تعالى: { وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ } اعلم أنه ثبت أن كمال السعادة مربوط بأمرين: التعظيم لأمر الله ، والشفقة على خلق الله ، ويجب أن يكون التعظيم لأمر الله مقدمًا على الشفقة على خلق الله فقوله { يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ } مشعر بالتعظيم لأمر الله وقوله { وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ } مشعر بالشفقة على خلق الله .