فهرس الكتاب

الصفحة 6301 من 8321

ثم في الآية مسائل:

المسألة الأولى: احتج كثير من العلماء بهذه الآية في إثبات أن الملك أفضل من البشر ، قالوا لأن هذه الآية تدل على أن الملائكة لما فرغوا من ذكر الله بالثناء والتقديس اشتغلوا بالاستغفار لغيرهم وهم المؤمنون ، وهذا يدل على أنهم مستغنون عن الاستغفار لأنفسهم إذ لو كانوا محتاجين إليه لقدموا الاستغفار لأنفسهم على الاستغفار لغيرهم بدليل قوله A: « ابدأ بنفسك » وأيضًا قال تعالى لمحمد A { فاعلم أَنَّهُ لاَ إله إِلا الله واستغفر لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات } [ محمد: 19 ] فأمر محمدًا أن يذكر أولًا الاستغفار لنفسه ، ثم بعده يذكر الاستغفار لغيره ، وحكى عن نوح عليه السلام أنه قال: { رَّبّ اغفر لِى ولوالدى وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِىَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات } [ نوح: 28 ] وهذا يدل على أن كل من كان محتاجًا إلى الاستغفار فإنه يقدم الاستغفار لنفسه على الاستغفار لغيره ، فالملائكة لو كانوا محتاجين إلى الاستغفار لكان اشتغالهم بالاستغفار لأنفسهم مقدمًا على اشتغالهم بالاستغفار لغيرهم ، ولما لم يذكر الله تعالى عنهم استغفارهم لأنفسهم علمنا أن ذلك إنما كان لأنهم ما كانوا محتاجين إلى الاستغفار ، وأما الأنبياء عليهم السلام فقد كانوا محتاجين إلى استغفار بدليل قوله تعالى لمحمد عليه السلام { واستغفر لِذَنبِكَ } وإذا ثبت هذا فقد ظهر أن الملك أفضل من البشر ، والله أعلم .

المسألة الثانية: احتج الكعبي بهذه الآية على أن تأثير الشفاعة في حصول زيادة الثواب للمؤمنين لا في إسقاط العقاب عن المذنبين ، قال وذلك لأن الملائكة قالوا { فاغفر لِلَّذِينَ تَابُواْ واتبعوا سَبِيلَكَ } قال وليس المراد فاغفر للذين تابوا من الكفر سواء كان مصرًا على الفسق أو لم يكن كذلك ، لأن من هذا حاله لا يوصف بكونه متبعًا سبيل ربه ولا يطلق ذلك فيه ، وأيضًا إن الملائكة يقولون { وَأَدْخِلْهُمْ جنات عَدْنٍ التى وَعَدْتَّهُمْ } وهذا لا يليق بالفاسقين ، لأن خصومنا لا يقطعون على أن الله تعالى وعدهم الجنة وإنما يجوزون ذلك ، فثبت أن شفاعة الملائكة لا يتناول إلا أهل الطاعة ، فوجب أن تكون شفاعة الأنبياء كذلك ، ضرورة أنه لا قائل بالفرق والجواب أن نقول هذه الآية تدل على حصول الشفاعة من الملائكة المذنبين ، فنبين هذا ثم نجيب عما ذكره الكعبي ، أما بيان دلالة هذه الآية على ما قلناه فمن وجوه الأول: قوله { وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ } والاستغفار طلب المغفرة ، والمغفرة لا تذكر إلا في إسقاط العقاب . أما طلب النفع الزائد فإنه لا يسمى استغفارًا الثاني: قوله تعالى: { وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ } وهذا يدل على أنهم يستغفرون لكل أهل الإيمان ، فإذا دللنا على أن صاحب الكبيرة مؤمن وجب دخوله تحت هذه الشفاعة الثالث: قوله تعالى: { فاغفر لِلَّذِينَ تَابُواْ } طلب المغفرة للذين تابوا ، ولا يجوز أن يكون المراد إسقاط عقوبة الكبيرة بعد التوبة ، لأن ذلك واجب على الله عند الخصم ، وما كان فعله واجبًا كان طلبه بالدعاء قبيحًا ، ولا يجوز أيضًا أن يكون المراد إسقاط عقوبة الصغائر ، لأن ذلك أيضًا واجب فلا يحسن طلبه بالدعاء ، ولا يجوز أن يكون المراد طلب زيادة منفعة على الثواب ، لأن ذلك لا يسمى مغفرة ، فثبت أنه لا يمكن حمل قوله { فاغفر لِلَّذِينَ تَابُواْ } إلا على إسقاط عقاب الكبيرة قبل التوبة ، وإذا ثبت هذا في حق الملائكة فكذلك في حق الأنبياء لانعقاد الإجماع على أنه لا فرق ، أما الذي يتمسك به الكعبي وهو أنهم طلبوا المغفرة للذين تابوا ، فنقول يجب أن يكون المراد منه الذين تابوا عن الكفر واتبعوا سبيل الإيمان ، وقوله إن التائب عن الكفر المصر على الفسق لا يسمى تائبًا ولا متبعًا سبيل الله ، قلنا لا نسلم قوله ، بل يقال إنه تائب عن الكفر وتابع سبيل الله في الدين والشريعة ، وإذا ثبت أنه تائب عن الكفر ثبت أنه تائب ، ألا ترى أنه يكفي في صدق وصفه بكونه ضاربًا وضاحكًا صدور الضرب والضحك عنه مرة واحدة ، ولا يتوقف ذلك على صدور كل أنواع الضرب والضحك عنه فكذا ههنا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت