فهرس الكتاب

الصفحة 6303 من 8321

[ القصص: 16 ، 17 ] وحكى تعالى عن داود { فاستغفر رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ } [ ص: 24 ] وعن سليمان أنه قال: { رَبّ اغفر لِى وَهَبْ لِى مُلْكًا } [ ص: 35 ] وعن زكريا أنه { نادى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا } [ مريم: 3 ] وعن عيسى عليه السلام أنه قال: { رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مّنَ السماء } [ المائدة: 114 ] وعن محمد A أن الله تعالى قال له: { وَقُلْ رَّبّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشياطين } [ المؤمنون: 97 ] وحكى عن المؤمنون أنهم قالوا { رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا باطلا } [ آل عمران: 191 ] وأعادوا هذه اللفظة خمس مرات ، وحكى أيضًا عنهم أنهم قالوا { غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المصير } [ البقرة: 285 ] إلى آخر السورة .

فثبت بما ذكرنا أن من أرضى الدعاء أن ينادي العبد ربه بقوله يا رب وتمام الإشكال فيه أن يقال لفظ الله أعظم من لفظ الرب ، فلم صار لفظ الرب مختصًا بوقت الدعاء؟ ، والجواب كأن العبد يقول: كنت في كتم العدم المحض والنفي الصرف ، فأخرجتني إلى الوجود ، وربيتني فاجعل تربيتك لي شفيعًا إليك في أن لا تخليني طرفة عين عن تربيتك وإحسانك وفضلك .

المسألة الثانية: السنة في الدعاء ، يبدأ فيه بالثناء على الله تعالى ، ثم يذكر الدعاء عقيبه ، والدليل عليه هذه الآية ، فإن الملائكة لما عزموا على الدعاء والاستغفار للمؤمنين بدأوا بالثناء فقالوا { رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْء رَّحْمَةً وَعِلْمًا } وأيضًا أن الخليل عليه السلام لما أراد أن يذكر الدعاء ذكر الثناء أولًا فقال: { الذى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ * والذى هُوَ يُطْعِمُنِى وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * والذى يُمِيتُنِى ثُمَّ يُحْيِينِ * والذى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ الدين } [ الشعراء: 78 82 ] فكل هذا ثناء على الله تعالى ، ثم بعده ذكر الدعاء فقال: { رَبّ هَبْ لِى حُكْمًا وَأَلْحِقْنِى بالصالحين } [ الشعراء: 83 ] .

واعلم أن العقل يدل أيضًا على رعاية هذا الترتيب ، وذلك ذكر الله بالثناء والتعظيم بالنسبة إلى جوهر الروح كالإكسير الأعظم بالنسبة إلى النحاس ، فكما أن ذرة من الإكسير إذا وقعت على عالم من النحاس انقلب الكل ذهبًا إبريزًا فكذلك إذا وقعت ذرة من إكسير معرفة جلال الله تعالى على جوهر الروح النطقية ، انقلب من نحوسة النحاسة إلى صفاء القدس وبقاء عالم الطهارة ، فثبت أن عند إشراق نور معرفة الله تعالى في جواهر الروح ، يصير الروح أقوى صفاء وأكمل إشراقًا ، ومتى صار كذلك كانت قوته أقوى وتأثيره أكمل ، فكان حصول الشيء المطلوب بالدعاء أقرب وأكمل ، وهذا هو السبب في تقديم الثناء على الله على الدعاء .

المسألة الثالثة: اعلم أن الملائكة وصفوا الله تعالى بثلاثة أنواع من الصفات: الربوبية والرحمة والعلم ، أما الربوبية فهي إشارة إلى الإيجاد والإبداع ، وفيه لطيفة أخرى وهي أن قولهم { رَبَّنَا } إشارة إلى التربية ، والتربية عبارة عن إبقاء الشيء على أكمل أحواله وأحسن صفاته ، وهذا يدل على أن هذه الممكنات ، كما أنها محتاجة حال حدوثها إلى إحداث الحق سبحانه وتعالى وإيجاده ، فكذلك إنها محتاجة حال بقائها إلى إبقاء الله ، وأما الرحمة فهي إشارة إلى أن جانب الخير والرحمة والإحسان راجح على جانب الضر ، وأنه تعالى إنما خلق الخلق للرحمة والخير ، لا للاضرار والشر ، فإن قيل قوله { رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْء رَّحْمَةً وَعِلْمًا } فيه سؤال ، لأن العلم وسع كل شيء ، أما الرحمة فما وصلت إلى كل شيء ، لأن المضرور حال وقوعه في الضر لا يكون ذلك الضرر رحمة ، وهذا السؤال أيضًا مذكور في قوله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت